سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٣١ - الفصل الثاني و العشرون غزوة تبوك
ثم مضى رسول اللّه و قصرت ببعض المسلمين رواحلهم منهم ابو ذر الغفاري، فأخذ يعالج بعيره ليلحق بالجيش فلم تجده المحاولة فلما يئس اخذ متاعه عنه و حمله على ظهره و ترك البعير في مكانه، و جعل يجد السير ليلحق بالنبي (ص) فنظر احد المسلمين فوجد رجلا مسرعا يسير ليلحق بهم فأخبر رسول اللّه (ص) قال رحم اللّه ابا ذر يمشي وحده و يموت وحده و يبعث وحده.
و في رواية ثانية انه قال له: تعيش وحدك بدلا من تمشي وحدك.
و صدق رسول اللّه (ص) حيث عاش ابو ذر وحده و مشى على طريق الحق مع القلة القليلة من اصحاب رسول اللّه و ناهض حكم الطغاة و الجبابرة، و لما لم يجدوا سبيلا الى إسكاته نفوه الى مفازة من الأرض خالية من السكان و بعيدة عن الناس حتى لا يتصل بأحد، و ظل فيها ما بقي من حياته ممنوعا عن الاتصال بأي كان من الناس كما توعدوا كل من يحاول الاتصال به و ليس معه الا زوجته و ابنته و اخيرا مات في ذلك المكان بعيدا عن جميع الناس، و لو لا ان يقيض اللّه له ركبا من الكوفة كانوا في طريقهم الى الحجاز فاستغاثت بهم زوجته و اخبرتهم بمكانه و تبين ان فيهم من صحابة الرسول ممن عرفوه و سمعوا من الرسول ما كان يثني به عليه و حتى هذه المقالة التي قالها و هو في طريقه الى تبوك و يؤكد الشيخ حسين الديار بكري ان عبد اللّه بن مسعود كان معهم و حدث الركب بقول رسول اللّه كما نص على ذلك في كتابه تاريخ الخميس و لو لا هذا الركب لم تجد زوجته سبيلا لدفنه.
و سيبعث ابو ذر وحده كما قال رسول اللّه الصادق الأمين من بين عشرات الألوف من صحابة الرسول حاملا لواء الحق الذي عذب من اجله و اقصي من اجله، و قد عرفنا لمحة من حياة ابي ذر عند ما تحدثنا عن اسلامه في الفصول الأولى من هذا الكتاب.
و مع ان رسول اللّه (ص) كان حريصا على ان لا يشترك معه المنافقون في هذه الغزوة و بخاصة بعد ان رجع ابن ابي سلول، او بعد ان ارجعه النبي كما في بعض المرويات، و كان عدد الذين عسكروا مع ابن ابي سلول لا يقل عن العسكر