موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٣ - مقدمة الجيش
و كأنّ شريحا بن هانئ لم يهنأ له ذلك بل رأى من زياد زيادة في كبره و خيلائه و عجبه بنفسه و زهوه قولا و فعلا، فأخذ يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة و لا يقرب من زياد. فكتب زياد بذلك إلى علي عليه السّلام:
لعبد اللّه علي أمير المؤمنين من زياد بن النضر، سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد، فإنك ولّيتني أمر الناس، و إنّ شريحا لا يرى لي عليه حقا و لا طاعة، و ذلك استخفاف بأمرك و ترك لعهدك، و السلام.
و بعث به مع مولى له يقال له شوذب. و كأنّ شريحا عرف ذلك فكتب إليه عليه السّلام:
سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد، فإنّ زياد بن النضر حين أشركته في أمرك و ولّيته جندا من جنودك، تنكّر و استكبر و مال به العجب و الخيلاء و الزّهو، إلى ما لا يرضاه الربّ تبارك و تعالى من القول و الفعل، فإنّ رأى أمير المؤمنين أن يعزله عنّا و يبعث مكانه من يحبّ فليفعل، فإنّا له كارهون!و السلام.
فكتب علي عليه السّلام إليهما كتابا واحدا فيه بعد البسملة: «من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر و شريح بن هانئ، سلام عليكما، فإني أحمد إليكما اللّه الذي لا إله إلاّ هو. أما بعد، فإني قد ولّيت مقدّمتي زياد بن النضر و أمّرته عليها، و شريح أمير على طائفة منها، فإن افترقتما فكل واحد منكما أمير الطائفة التي ولّيناه أمرها، و إن جمعكما بأس (حرب) فعلى الناس زياد بن النضر.
و اعلما أن مقدّمة القوم عيونهم، و عيون المقدّمة طلائعهم، فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلا تسأما من توجيه الطلائع، و من نفض الشعاب و الشجر و الخمر من كل جانب، كي لا يغترّكما عدوّ أو يكون لكم كمين، و لا تسيّرن الكتائب من لدن الصباح إلى المساء إلاّ على تعبئة، فإن دهمكم داهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدّمتم في التعبئة.