موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٨ - جواب معاوية
إنّ هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم و لا سابقتكم، و لا قرابتكم من النبي، و لا مكانتكم في الإسلام و أهله، فرأت الأمّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش، لمكانها من نبيّها، و رأى صلحاء الناس من قريش و الأنصار و غيرهم من سائر الناس و عامتهم: أن يولّوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما [١] و أعلمها باللّه!و أحبّها له!و أقواها على أمر اللّه!فاختاروا أبا بكر، و كان ذلك رأي ذوي الحجى و الدين و الفضيلة و الناظرين للامة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، و لم يكونوا بمتّهمين و لا فيما أتوا بمخطئين!و لو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه أو يقوم مقامه أو يذبّ عن حريم المسلمين ذبّه؛ ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه!و لكنّهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام و أهله!فاللّه يجزيهم عن الإسلام و أهله خيرا!
و قد فهمت الذي دعوتني إليه من «الصلح» فالحال بيني و بينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله، و لو علمت أنك أضبط منّي للرعيّة، و أحوط عني في هذه الأمة، و أحسن سياسة، و أقوى على جمع الأموال! و أكيد للعدوّ، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، و رأيتك لذلك أهلا!و لكنّي قد علمت أني أطول منك ولاية، و أقدم منك لهذه الأمة تجربة!و أكثر سياسة!و أكبر منك سنّا! فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني!فادخل في طاعتي!و لك الأمر من بعدي!و لك ما في بيت مال العراق من مال بلغ ما بلغ!تحمله إلى حيث شئت!و لك خراج أيّ كور العراق شئت معونة لك على نفقتك، يجبيها لك أمينك و يحملها إليك في كلّ سنة!و لك أن لا يستولى عليك بالإساءة، و لا تقضى دونك الأمور، و لا تعصى في أمر أردت به طاعة اللّه عزّ و جل!أعاننا اللّه و إياك على طاعته، إنه سميع مجيب الدعاء، و السلام» .
[١] و هذه من البوادر الأولى لادّعاء سبق إسلام أبي بكر.
غ