موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٣ - خطاب زياد في الأزد
و اعلموا أنّ حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدين و الدنيا من حربكم أمس عليّا!و قد قدم عليكم جارية بن قدامة، و إنما أرسله علي ليصدع أمر قومه، و اللّه ما هو بالأمير المطاع و لا بالمغلوب المستغيث، و لو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين أو كان لي تبعا. و أنتم الهامة العظمى و الجمرة الحامية، فقدّموه إلى قومه. فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك. و سكت.
و كان زعيمهم شيمان أبو صبرة غير حاضر يوم الجمل فقام و قال لزياد: يا زياد، و اللّه لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت أن لم يكونوا يقاتلوا عليّا!و قد مضى الأمر بما فيه، و هو يوم بيوم و أمر بأمر، و اللّه إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيّئ، و التوبة مع الحقّ و العفو مع الندم، و لو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء و استئناف الأمور، و لكنّها جماعة دماؤها حرام و جروحها قصاص، و نحن معك، فقدّم هواك نحبّ ما أحببت!و سكت.
فقام ابنه صبرة و قال: إنا و اللّه ما أصبنا بمصيبة في دين و لا دنيا كما أصبنا يوم الجمل، و إنا لنرجوا اليوم أن نمحّص ذلك بطاعة اللّه و طاعة أمير المؤمنين. ثمّ التفت إلى زياد و قال له:
و أما أنت يا زياد!فو اللّه ما أدركت أملك فينا و لا أدركنا أملنا فيك دون ردّك إلى دارك، و نحن رادّوك إليها غدا إن شاء اللّه تعالى، فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منّا!فإنك إن لم تفعل نأت بما لا يشبهك!و إنا-و اللّه-نخاف من حرب علي في الآخرة ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا، فقدّم هواك و أخّر هوانا، فنحن معك و طوعك!
و كان جيفر بن الجلندي الأزدي العماني معهم فقام و قال لزياد: أيها الأمير، إنك لو رضيت منّا بما ترضى به من غيرنا لم نرض نحن بذلك!و لو رضينا بذلك لكنّا قد خنّاك!لأنّ لنا عقدا مقدّما و حمدا مذكورا!فسر بنا إلى القوم إن شئت، و ايم اللّه ما لقينا يوما قط إلاّ اكتفينا بعفونا دون جهدنا إلاّ ما كان أمس.