موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٠ - كتابه للناس فيما ضاع من حقّه
فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم، و كنتم أوّل المؤمنين، تعرفون وجهه و شعبه و عمارته، فعلّمكم الكتاب و الحكمة، و الفرائض و السنّة، و أمركم بصلة أرحامكم و حقن دمائكم و صلاح ذات بينكم، و أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، و أن توفوا بالعهد و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، و أمركم أن تعاطفوا و تبارّوا و تباذلوا و تراحموا، و نهاكم عن التناهب و التظالم و التحاسد و التقاذف و التباغي، و عن شرب الخمر و بخس المكيال و نقص الميزان، و تقدّم إليكم فيما أنزل عليكم أن لا تزنوا و لا تربوا و لا تأكلوا أموال اليتامى ظلما، و أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها و لا تعثوا في الأرض مفسدين، و لا تعتدوا إن اللّه لا يحبّ المعتدين، و كلّ خير يدني إلى الجنة و يباعد من النار أمركم به، و كلّ شرّ يباعد من الجنّة و يدني من النار نهاكم عنه.
فلمّا استكمل مدّته من الدنيا توفّاه اللّه إليه سعيدا حميدا، فيا لها مصيبة خصّت الأقربين و عمّت جميع المسلمين. ما اصيبوا بمثلها قبلها و لن يعاينوا اختها بعدها.
فلمّا مضى لسبيله صلّى اللّه عليه و آله تنازع المسلمون الأمر بعده، فو اللّه ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالى أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد عن أهل بيته، و لا أنّهم منحّوه عنّي من بعده!فما راعني إلاّ انثيال الناس على أبي بكر و إجفالهم إليه ليبايعوه!فأمسكت يدي (عن البيعة له) و أنا أرى أنّي أحقّ بمقام رسول اللّه في الناس ممّن تولّى الأمر من بعده، و لبثت بذلك (الامتناع) ما شاء اللّه حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محقّ دين اللّه و ملّة محمد و إبراهيم عليهما السّلام، فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما و هدما تكون مصيبته عليّ أعظم من فوات ولاية أموركم التي هي متاع أيّام قلائل ثمّ يزول ما كان منها كما يزول السراب و كما يتقشّع السحاب، فعند ذلك مشيت إلى أبي بكر فبايعته، و نهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ الباطل و زهق، و كانت كلمة اللّه