موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٠ - و دخل الكوفة و خطبهم
ثمّ تركهم أيّاما ثمّ دعا رءوسهم و وجوههم فسألهم: ما الذي يثبّطهم؟فمنهم المعتلّ و منهم المنكر، و أقلّهم النشيط، فقام فيهم ثانية و قال لهم:
عباد اللّه، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مِنَ اَلْآخِرَةِ [١] ثوابا، و بالذلّ و الهوان من العزّ خلفا؟أو كلّما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم، كأنّكم من الموت في سكرة!يرتج عليكم فتبكمون، فكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون!و كأنّ أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون!للّه أنتم!ما أنتم إلاّ اسود الشرى في الدّعة، و ثعالب روّاغة حين تدعون، ما أنتم بركن يصال به، و لا زوافر عزّ يعتصم بها. لعمرو اللّه، لبئس حشّاش نار الحرب أنتم، إنّكم تكادون و لا تكيدون، و تنتقص أطرافكم و لا تتحاشون [٢] و لا ينام عنكم و أنتم في غفلة ساهون.
إنّ أخا الحرب اليقظان، أودى من غفل، و يأتي الذلّ من وادع، غلب المتخاذلون، و المغلوب مقهور و مسلوب.
أمّا بعد، فإنّ لي عليكم حقّا و لكم عليّ حقّ، فأمّا حقّي عليكم: فالوفاء بالبيعة، و النصح لي في المشهد و المغيب، و الإجابة حين أدعوكم، و الطاعة حين آمركم.
و إنّ حقّكم عليّ: النصيحة لكم ما صحبتكم، و التوفير عليكم، و تعليمكم كيلا تجهلوا، و تأديبكم كي تعلموا، فإن يرد اللّه بكم خيرا و تنزعوا عمّا أكره و ترجعوا إلى ما احبّ، تنالوا ما تحبّون و تدركوا ما تؤمّلون [٣] .
[١] سورة التوبة: ٣٨.
[٢] القدر المتيقن يومئذ من انتقاص أطرافهم انتقاص بلاد الشام بمعاوية قبل غاراته.
[٣] الغارات ١: ٣٣-٣٨ و ذكر المحقّق مصادر اخرى، و في نهج البلاغة خ ٣٤ و مصادرها في المعجم المفهرس: ١٣٧٩ و لو لا نصّ المصادر أنّها أوّل خطبة في الكوفة بعد النهروان لقلنا إنّها كانت في خضمّ الغارات.