موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٠ - و وساطة الأشعث و رسائل معاوية
من أصحابك، فيحكمان بما في كتاب اللّه بيننا، فإنه خير لي و لك!و أقطع لهذه الفتن! فاتّق اللّه فيما دعيت له، و ارض بحكم القرآن إن كنت من أهله!و السلام» .
فكتب إليه الإمام عليه السّلام: «من عبد اللّه علي أمير المؤمنين، إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فإنّ أفضل ما يشغل به المرء نفسه اتّباع ما يحسن به فعله و يستوجب فضله و يسلم من عيبه، و إن البغي و الزور يزريان بالمرء في دينه و دنياه، و يبديان من خلله عند من يغنيه ما استرعاه اللّه ما لا يغني عنه تدبيره، فاحذر الدنيا، فإنه لا فرح في شيء وصلت إليه منها!و لقد علمت أنك غير مدرك ما قضي فواته. و لقد رام قوم أمرا بغير الحق فتأوّلوا على اللّه تعالى فأكذبهم، و متّعهم قليلا ثمّ اضطرّهم إلى عذاب غليظ. فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله، و يندم فيه من أمكن الشيطان من قياده و لم يحادّه، فغرّته الدنيا و اطمأنّ إليها.
ثمّ إنّك قد دعوتني إلى حكم القرآن!و لقد علمت أنّك لست من أهل القرآن و لست حكمه تريد!و اللّه المستعان، و قد أجبنا القرآن إلى حكمه و لسنا إياك أجبنا، و من لم يرض بحكمه فقد ضلّ ضلالا بعيدا» [١] .
فكأنّ معاوية أجاب الإمام برسالة فيها: «أما بعد، عافانا اللّه و إياك!فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا و ألفة بيننا!و قد فعلت و أنا أعرف حقّي!و لكنّي اشتريت بالعفو صلاح الأمة!و لا أكثر فرحا بشيء جاء و لا ذهب (جوابا لقول الإمام: فإنه لا فرح في شيء... ) و إنما أدخلني في هذا الأمر القيام بالحقّ فيما بين الباغي و المبغيّ عليه! (عثمان و قاتليه) و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر! فدعوت إلى كتاب اللّه فيما بيننا و بينك، فإنّه لا يجمعنا و إيّاك إلاّ هو!نحيي ما أحيا القرآن و نميت ما أمات القرآن!و السلام» [٢] .
[١] وقعة صفين: ٤٩٣-٤٩٤.
[٢] وقعة صفين: ٤٩٧-٤٩٨.