موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٨ - فرّ الميمنة و كرّها
و لا نصحتم له في عدوّه، فكيف بذلك و أنتم أبناء الحرب و أصحاب الغارات و فتيان الصباح (الغارة) و فرسان الطّراد و حتوف الأقران و مذحج الطعان، الذين لم يكونوا يسبقون بثارهم و لا تطلّ دماؤهم، و لا يعرفون في موطن من المواطن بخسف، و أنتم أحدّ أهل مصركم و أعدّ حيّ في قومكم، و ما تفعلوا في هذا اليوم فإنه مأثور بعد اليوم، فاتّقوا مأثور الحديث في غد، و أصدقوا في عدوّكم اللقاء، فإن اللّه مع الصابرين.
و الذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء (أهل الشام) رجل على جناح بعوضة من دين اللّه، و اللّه ما أحسنتم اليوم القراح. أجلوا سواد وجهي يرجع دمي في وجهي. عليكم بهذا السواد الأعظم، فإنّ اللّه لو فضّه تبعه من بجانبه كما يتبع السيل مقدّمه.
فتنادوا: خذ بنا حيث أحببت. فصمد بهم نحو الميمنة يزحف إليهم و يردّهم، حتّى استقبله الثمانمئة من شباب همدان فوقفوا معه و زحف بهم الأشتر نحو الميمنة، و ثاب إليه ناس من أهل البصيرة و الحياء و الوفاء تراجعوا إليه، فبدأ لا يعمد لكتيبة إلاّ كشفها و لا لجمع إلاّ حازه و ردّه [١] .
و كانت بيده صفيحة يمانية إذا طأطأها تخال فيها ماء منصبّا، و إذا رفعها فلها شعاع يكاد يغشي البصر [٢] و كان هو طويلا عظيما غير ضخم في لحمه.
فلما اجتمع إليه أكثر المنهزمين من الميمنة قال لهم: استقبلوا القوم بهاماتكم و عضّوا على النواجذ و الأضراس، و إن الفرار من الزحف فيه سلب العزّ و الغلبة على الفيء، و ذلّ المحيا و الممات، و عار الدنيا و الآخرة!
ثمّ حمل بهم على ميسرة الشام بعد صلاة العصر حتى كشفهم و ألحقهم بمضرب معاوية [٣] .
[١] وقعة صفين: ٢٥٠-٢٥٢.
[٢] وقعة صفين: ٢٥٥.
[٣] وقعة صفين: ٢٥٥.