دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٢١٢ - الفصل الخامس في اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، و عدمه
من الشرائط العامّة للتكليف، و الحاكم بهما هو العقل، فالعلم شرط للتكليف بحيث إن لم يبيّن المولى أو لم يصل بيانه إلى المكلّف لا يكون العبد مكلّفا، و هكذا مسألة القدرة، و إذا كان العبد عاجزا فليس بمكلّف، و المراد من القدرة هي القدرة العقليّة، بخلاف كلمة الوسع في قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [١]؛ إذ المراد منه هو القدرة العرفيّة، و يكون الباري هاهنا في مقام التفضّل، و الظاهر أنّه لا فرق في معنى الشرطيّة بين هذين الشرطين و سائر الشرائط الشرعيّة، مثل: الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، و هو أنّ الواجد لهذا الشرط يكون مكلّفا، و فاقده لا يكون مكلّفا، فلا بدّ أن يكون العلم و القدرة أيضا كذلك، أي العالم بالتكليف مكلّف و الجاهل به غير مكلّف، و القادر على إتيان المكلّف به مكلّف و العاجز عنه ليس بمكلّف.
و من المعلوم أنّ الشرائط الشرعيّة يكون بيانها بيد الشارع و لا دخل للعقل فيها، و أمّا إذا كان الشرط عقليّا فلا بدّ له من ملاك عقلي، و بعد مراجعة العقل فيما نحن فيه نرى تحقّق قاعدة مسلّمة عنده، و هي قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يعني يحكم العقل بقبح مؤاخذة العبد الجاهل لمخالفته تكليف لم يبيّن له.
و من هنا نفهم أنّ التكليف متوجّه إلى الجاهل أيضا، و لا يكون مثل غير المستطيع؛ إذ لا يصحّ التعبير بأنّه يقبح مؤاخذة غير المستطيع لمخالفة الحجّ، فإنّه ليس بمكلّف أصلا، و لكن الجاهل مكلّف، و تتحقّق منه مخالفة التكليف، إلّا أنّه لا يصحّ للمولى أن يؤاخذه و يعاقبه.
و يؤيّده قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [٢]، و هو أيضا
[١] البقرة: ٢٨٦.
[٢] الإسراء: ١٥.