دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٢٣٨ - الفصل الثامن في نسخ الوجوب
بعد نسخ الوجوب.
و إذا قيل: إنّ هذا إنكار لأمر بديهيّ؛ إذ لا شكّ في أنّ الشيء إذا كان واجبا يتحقّق معه جواز الفعل، بل رجحانه.
قلت: سلّمنا أنّه يتحقّق مع وجوب شيء جواز و رجحان فعله، و لكنّه لا يكون جزء ماهيّة الوجوب و لا تمام ماهيّته، بل الوجوب يدلّ بدلالة التزاميّة على الجواز بنحو دلالة الملزوم على ثبوت اللازم؛ بمعنى تبعيّته له مثل تبعيّة وجوب المقدّمة لوجوب ذي المقدّمة، فلا يعقل بقاء اللازم بعد ارتفاع الملزوم و نسخه، فنحكم في هذا المقام بالاستحالة، و أنّه يستحيل بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب، و لا تصل النوبة إلى مقام الإثبات أصلا.
و لو فرض إمكان بقاء الجواز في هذا المقام ففي مقام الإثبات لا بدّ من تغيير عنوان البحث بأنّ ملاحظة دليل الناسخ و المنسوخ و الجمع بينهما هل يقتضي بقاء الجواز أم لا؟ لا ملاحظة كلّ منهما مستقلّا كما يستفاد من كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه).
و ربما يقال: إنّ الجمع بينهما يقتضي بقاء الجواز، بل يقتضي بقاء الرجحان، نظيره ما إذا قال المولى: «صلّ صلاة الجمعة»، و قال في ضمن دليل آخر: «لا تجب صلاة الجمعة»، و المشهور بعد مواجهة هذين الدليلين يحمل الأمر على خلاف ظاهره، بقرينة الدليل الثاني؛ إذ الدليل الظاهر على الوجوب يدلّ على الرجحان و الجواز أيضا، و القرينة توجب التصرّف في دلالته على الوجوب فقط، و تبقى دلالته على أصل الجواز و الرجحان بقوّتها. و هكذا فيما نحن فيه، فإنّ دليل الناسخ يوجب نسخ وجوب دليل المنسوخ فقط، و يبقى جوازه و رجحانه بقوّته، فما نسخ وجوبه محكوم برجحان الفعل و جوازه.