دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ١٨٨ - الفصل الخامس في اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، و عدمه
كلتا القضيتين يثبت المحمول للموضوع، و الموضوع فيهما عبارة عن عدم أحد الضدّين، و معلوم أنّه لا واقعيّة للعدم لا في الخارج و لا في الذهن و لا في نفس الأمر، سيّما على القول بأصالة الوجود، فكيف تجري القاعدة الفرعيّة هنا؟!
إن قلت: إنّ للعدم حظّا من الواقعيّة، و لذا يقال في الفلسفة: إنّ وجود العلّة علّة لوجود المعلول، و عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فالتأثير و التأثّر لا ينحصر بدائرة الوجود، بل للعدم أيضا العلّيّة و التأثير، فلا مانع من القول بأنّ عدم أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر.
قلنا: إنّ هذا التعبير لا واقعيّة له؛ إذ كيف يمكن أن تكون العلّة عدما و المعلول أيضا عدما؟! و لكنّ أحد العدمين مؤثّرا في عدم الآخر، و لكنّه ليس إغراء بالجهل بعد إثبات أنّ العدم ليس بشيء، بل هو تأكيد للجملة الاولى، كأنّه يقول: إنّ شدّة ارتباط المعلول بالعلّة و قوّته بحدّ ينعدم المعلول بانعدام العلّة، لا أنّ له العلّيّة و التأثير، و لذا القضيّة الحمليّة التي كان موضوعها أمرا عدميّا و محمولها أمرا وجوديّا ليست بقضيّة صادقة.
و للمحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) [١] هاهنا كلام مخالف لكلام الإمام (قدّس سرّه) و ذكر في الابتداء مسألة بعنوان المقدّمة، و هي في نفسها قابلة للدقّة و لا تخلو عن فائدة، و قال: إنّ التقدّم قد يكون تقدّما علّيا، و قد يكون تقدّما طبعيّا، و ما فيه التقدّم في الأوّل عبارة عن ضرورة الوجود، و في الثاني عبارة عن نفس الوجود.
ثمّ قال: إنّ التقدّم الطبعي على أقسام؛ لأنّ المتقدّم قد يكون دخيلا في قوام المتأخّر مثل: تقدّم الجزء على الكلّ، و قد يكون للمتقدّم عنوان المؤثّريّة في المتأخّر كتقدّم المقتضي بالنسبة إلى المقتضى، مثل: تقدّم النار على الإحراق،
[١] نهاية الدراية ٢: ١٨٠- ١٨٤.