بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٣٨ - القواعد الثانوية التي قد يُستدل بها على عدم انتقال الوظيفة إلى الصيام عند العجز عن الذبح بمنى
إلا أن كلا الوجهين غير تام، فإن ظاهر الأدلة كون الذبح بمنى شرطاً في الاجتزاء به لا مجرد واجب تكليفي يأثم بتركه، كما أن الظاهر تمامية الإطلاق لدليل الشرطية وشموله للصورة المذكورة، كما مرّ بيان ذلك آنفاً.
وأما الاستناد إلى قاعدة نفي الحرج لإسقاط شرطية كون الذبح بمنى فهو ضعيف جداً كما مرّ مراراً، فإن القاعدة المذكورة إنما تقتضي سقوط التكليف بالواجب الحرجي، ولا تقتضي صحة العمل الناقص والاجتزاء به إذا كان الإخلال فيه بجزءٍ أو شرطٍ عن حرج لا يتحمل عادة.
هذا كله في الحرج الشخصي، وأما الحرج النوعي فإن أقصى ما يثبت بشأنه هو ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ من عدم تشريع الأحكام التي تكون موجبة لوقوع نوع المسلمين في الحرج ـ وقد مرّ هذا في بعض المباحث السابقة ـ وأما كونه موجباً لسقوط التكليف الذي أصبح امتثاله حرجياً للنوع ـ من جهة منع الظالم من امتثاله مثلاً ـ ليقتضي ذلك سقوطه حتى عن الذين لا يكون امتثاله حرجياً عليهم، فهذا مما لا دليل عليه بوجهٍ، فضلاً عن أن يقتضي نفيه صحة العمل الفاقد لجزء أو شرط يكون الإتيان به موجباً للوقوع في الحرج نوعاً.
والحاصل: أن قاعدة (لا حرج) لا تقتضي أزيد من سقوط وجوب الذبح بمنى إذا كان ذلك حرجياً على الحاج بشخصه، ولا أثر لكونه حرجياً على نوع الحجاج، وعلى كل حال فهي لا تصلح مستنداً للحكم بالاجتزاء بالذبح في خارج منى.
هذا، وقد تبين بما تقدم أن مقتضى القاعدة الأولية ـ على المختار ـ هو سقوط الهدي ولزوم بدله، أي الصيام مع عدم التمكن من الذبح في منى ولا في ما هو بدله أي وادي محسّر، كما عليه الحال في زماننا هذا بالنسبة إلى معظم الحجاج.
ولكن مقتضى بعض القواعد الثانوية هو الاجتزاء بالذبح في الحرم سواء في أقرب الأماكن إلى منى أو في مكة المعظمة أو في غيرهما من مواضع الحرم،