دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨ - المـقـدّمـة
المانع الثاني : الإستهجان العقلائي ، فإنّ استصحاب بقائه في مكانه يترتّب عليه (دخول الرصاصة في بدنه) ، ثم (موته بذلك الدخول) ، وهذا أمر مضحك عند العقلاء . بتعبير آخر ، إنك لا تـفهم من أدلّة الإستصحاب أنـنا يجب أن نستصحب (بقاءَه في مكانه) لنُثْبِتَ (وصولَ الرصاصة إليه) لنُثْبِتَ (قتلَه بتلك الرصاصة) لنثبت (وجوبَ القود على مطلق الرصاصةِ أو الدية والكفّارة) !!! فهذا أمْرٌ مستهجنٌ عند العقلاء ، ولذلك لا يفهمون وجوبَ الإلتزامِ بالمذكورات مِن لا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشكّ ، ولذلك لا يَثبُتُ في حقّ مُطْلِقِ الرصاصةِ القِوَدُ ولا الكفّارة وذلك لأصالة البراءة العقليّة والشرعية ، نعم يجب عليه التوبةُ والإستغفار لأنه تجرّأ على الله تعالى .
ثم اعلم أنّ المراد من الأثر الشرعي ليس هو مطلقَ الحكمِ الشرعي المنجَّز ، وإنما هو خصوص الحكم الشرعي التكليفي المنجَّز ، لا الحكم الشرعي الموضوعي كالبناء على طهارة الثوب الذي نريد أن نصلّي فيه ، إذ مجرّدُ البناءِ على طهارة الثوب ـ لولا جوازُ الصلاةِ به ـ ليس محرِّكاً ولا يَهُمُّنا ، لأننا لو فرضنا أننا بنينا على طهارة ثوبٍ رأيناه على التلفاز في بلدٍ لا نَصِلُ إليه فهذا البناءُ على الطهارة غيرُ محرّك لنا ، لذلك لن يكون البناءُ على طهارة هذا الثوب الفلاني أثراً شرعياً ، لأنها لا يترتّب عليها محرّكيةٌ ولا استحقاقُ الثواب ولا استحقاق العقاب بذاتها ، وإنما الأثرُ الشرعي هو ما يترتّبُ على طهارة الثوب من جواز الصلاة به ، ولك أن تقول بأنّ الأثر الشرعي هو التـنجيز عليك أو التعذير ، فلو بنيتَ على طهارة الماء الذي يقع تحت ابتلائك ـ بناءً على أمارةٍ أو أصل عملي ـ فالأثرُ الشرعي هنا يكون الحكمَ الشرعي الظاهري التكليفي المنجّز بجواز شربه ، ولك أن تعبّر بتعبـيرٍ آخر وهو أنّ الأثر الشرعي هو تـنجيز الحكم بجواز شربه ، فإنه لا فرق عرفاً بين أن تقول هو الحكم المنجَّز وبين أن تقول هو تـنجيز الحكم ، وإن كان الصحيح هو التعبـير الأوّل .
وكما في استدلالنا على عدم وجوب ربط المنبّه للقيام إلى صلاة الصبح ـ مثلاً ـ حتى ولو عَلِمْنا بأنـنا لن نستيقظ في وقت الفريضة ، وذلك لعدم علمنا بخطورة أمر الصلاة ِإلى حدٍّ يجب بسبـبه تهيئةُ مقدّمات الصلاة حتى قبل دخول وقت الفريضة ، أي لعدم وضوح حُكْمِ العقلِ بوجوب ربط المنبّه قبل دخول وقت الفريضة ، لذلك تجري البراءةُ بلا شكّ ، وذلك كإراقة الماء قبل دخول وقت الفريضة بدقائق مع عدم وجود ماءٍ غيره ...
وكما في قولنا بأنّ الشكَّ في كون السورة بعد الفاتحة جزءً أو قاطعاً إنه إنْ كان في متّسعٍ من الوقت فالدوران يكون دوراناً بين متباينين ـ وذلك لإمكان الجمع بـينهما بتكرار الصلاة ، مرّةً مع السورة ومرّةً من