دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦ - المـقـدّمـة
العقلُ كما يُشَرِّعُ القضاةُ الزوجيةَ والملكيّةَ والضمانَ ، وإلاّ فالمنظور إليه والمهمّ هو الأحكام التكليفية .
ومن قبـيل الجواب عمّا نُسِب إلى الشيخ الأنصاري من عدم رجوع الشرط إلى مفاد هيأة الجزاء بذريعة أنّ الهيأة حرف ، فمفادُها إذن معنى حرفي جزئي ـ كما في "إنِ استطعتَ فحِـجَّ" ـ فإنـنا لم نُجِبْ كما هو معروف من كون مُفاد هيأة الحجّ هو كلّي في ذاته ، وإنما قلنا بأنّ المفاهيم الذهنـية كلَّها قابلةٌ للتـقيـيد ، ولم نقل لأنها كلّيّة ، وإنما قلنا بأنّ الصور الذهنـية هي الكليّة ـ التي تصلح للإنـطباق على كثيرين ـ وليس المفاهيم الذهنية ، ولذلك يقيَّدُ الوجوبُ ـ الذي هو مفاد (حِـجَّ) ـ بـ أنت والحجّ . وفرّقنا بين التـقيـيد في هذه الجملة وبين التعليق ، فقلنا إنه بعد ثبوت إمكان تقيـيد الوجوب ـ الذي هو مفاد صيغةِ (حِـجَّ) ـ فبطريق اَولَى سوف يجوز تعليق هذا الوجوب المقيَّد على الشرط .
وكما في التفرقة بين الجعل والمجعول والمنجَّز ، فالأوّل هو الإعتبار الربّاني الواصل إلى رسول الله (ص) ، كما في قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَوَآتُوا الزَّكَاةَوَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] ، والثاني كما لو وُجِد إنسانٌ بالغ عاقل وقد دخل عليه وقتُ الفريضة ولكنه لم يعلم بدخول وقت الفريضة ، فهذا الحكم لا يزال فعلياً عليه ولم يَصِرْ منجَّزاً ، فإذا عَلِمَ بدخول وقت الفريضة فقد صار وجوب الصلاة عليه منجّزاً ، وكما لو عَلِمَ المكلّفُ باستطاعته إلى الحجّ فإنّ وجوب الحجّ يصير عليه منجَّزاً ولو كان فِعْلُه في الأيام الآتية وهي أيام الحجّ ... وعليه فالحكمُ الفعلي ليس محرِّكاً للإنسان ، ولا يستحقّ العقابَ على مخالفته لجهله بفعليّته أو لغفلته عن الفعلية ، وإنما المحرِّكُ هو خصوص الحكم المعلوم بفعلية شرائطه ، فهو المنجَّز على الشخص والمحرِّك له ، ويـبقى الإنسانُ بريءَ الذمّة حتى يعلم بفعليّة التكليف عليه ، طبعاً هناك بعض التفاصيل في هذه المسألة ليس ههنا محلُّ ذِكْرِها من قبـيل أنّ المرفوع إنما هي المنجّزية وليس الفعلية ...
وكما في التفرقة بين المفهوم والمدلول الإلتزامي واللازم ، فإنّ الأوّل ـ باختصار ـ هو المدلول اللفظي السلبي للمنطوق ، كما في قولنا "لا تُكْرِم زيداً إلا إذا نجح " فمفهومُه "إن لم ينجح فلا تكرمْه" وكذا لو قال "إنما يجب إكرامُ زيد إنْ نجح" فمفهومُه "إن لم ينجح فلا يجب إكرامُه" ، والثاني هو المدلول العقلي للكلام ، فلو قال لك الثقةُ "قَطَعوا رأسَ زيدٍ" فمدلولُه الإلتزامي هو "مات زيدٌ" وهو مدلول عقلي ، ولكنك تستكشفه بعقلك من جملة لفظية تامّة المعنى ، أي أنك تستـنبطه من اللفظ ولكن تستـنبطه بعقلك ، وأمّا اللازم فهو كالحرارة بالنسبة إلى النار ، نقول : "لازمُ النارِ الحرارةُ" فاللازمُ هنا هو معلولٌ تكويني للعلّة ، وكما في (لازمُ الدرسِ النجاحُ) فاللازم هنا هو لازم عادي ، لأنه