دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٤٩ - تـنبـيهات الأخبار العِلاجيّة
فيجب حينـئذ المصير إليه . وإنما قلنا ذلك لما نُبَـيِّـنُه فيما بعدُ مِنَ المنع من جواز تخصيص العموم (القرآني) بأخبار الآحاد إن شاء الله تعالى (وهذا منه عجيب) .
ومنها : أن يكون الخبرُ موافقاً للسُّنَّةِ المقطوع بها من جهة التواتر ، فإنّ ما يتضمَّنُه الخبرُ الواحد إذا وافقه مقطوعٌ (خبر ما) على صحته أيضاً وجوازِ العمل به وإنْ لم يكن ذلك دليلاً على صحة نفس الخبر لجواز أن يكون الخبر كذباً وإنْ وافق السُّنَّةَ المقطوعَ بها .
ومنها : أن يكون موافقاً لما أجمعت الفرقةُ المحقَّة عليه ، فإنه متى كان كذلك دلَّ أيضاً على صحة متضمَّنِه (وهو يعني ترجيح الإجماع للخبر ، وهو بطبـيعة الحالِ دليلٌ على حجيّة الإجماع عنده) ، ولا يمكنـنا أيضاً أن نجعل إجماعَهم دليلاً على صحة نفس الخبر ، لأنهم يجوز أن يكونوا أجمعوا على ذلك عن دليل غير هذا الخبر ، أو خبر غير هذا الخبر ولم ينقلوه استغناءً بإجماعهم على العمل به ، ولا يدل ذلك على صحة نفس هذا الخبر .
فهذه القرائن كلها تدل على صحة متضَمَّنِ أخبارِ الآحاد ، ولا تَدِلُّ على صحتها (في) أنفسها لما بـيـنّا مِن جواز أن تكون الأخبار مصنوعة (أي موضوعة حتى) وإنْ وافقت هذه الأدلةَ ، فمتى تجرد الخبرُ عن واحد من هذه القرائن كان خبرَ واحدٍ محضاً ، ثم يُنظَرُ فيه : فإنْ كان ما تضمَّنَه هذا الخبرُ ، هناك ما يدل على خلاف متضمَّنِه من كتاب أو سُنَّة أو إجماع وجب اطِّراحُه والعملُ بما دل الدليلُ عليه ، وإن كان ما تضمَّنَه ليس هناك ما يدل على العمل بخلافه ولا يُعرف فتوى الطائفة فيه ، نُظِرَ :
· فإنْ كان هناك خبرٌ آخر يعارِضُه مما يجري مجراه وجب ترجيحُ أحدِهما على الآخر ، وسنبين مِن بعدُ ما يرجح به الأخبار بعضها على بعض ،
· وإن لم يكن هناك خبر آخر يخالفه وجب العملُ به ، لأنّ ذلك إجماعٌ منهم على نقله ، وإذا أجمعوا على نقله وليس هناك دليل على العمل بخلافه ، فينبغي أن يكون العمل به مقطوعاً عليه ، وكذلك إنْ وُجِدَ هناك فتاوى مختلفةٌ من الطائفة ، وليس القول المخالفُ له ، مستـنداً إلى خبرٍ آخر ، ولا إلى دليل يوجب العِلْمَ وجب اطِّراحُ القولِ الآخر والعملُ بالقول الموافق لهذا الخبر (الأوّل) ، لأنّ ذلك القولَ لا بُدَّ أن يكون عليه دليل ، فإذا لم يكن هناك دليل يدل على صحته ، ولسنا نقول بالإجتهاد والقياس يُسنَدُ ذلك القولُ إليه ، ولا هناك خبر آخر يضاف إليه ، وجب أن يكون ذلك القول (الثاني) مطروحاً ، ووجب العمل بهذا الخبر (الأوّل) ، والأخْذُ بالقول الذي يوافقه .