دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٨٦ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
وهناك بعض الأحكام شرّعها اللهُ تعالى لقومٍ لحكمةٍ يَعْرِفُها ، كـتشريع قبلة اليهود إلى صخرة مسجد الصخرة في القدس ، ولعلّ السبب في ذلك هو أنّ الله رأى بحكمته البالغة أنهم سوف ينحرفون في دينهم كثيراً فاقتضى الأمْرُ أن يوجّههم إلى بـيت المقدس ، لا إلى الكعبة المعظّمة .
*لكنْ هذا الكلامُ لا يَخدِمُ أهلَ الكتاب في ادّعائهم بـ (وجوب أن نـتبع ما هو موجود في كتبهم ما لم نعلم بنسخها) ، وذلك لعدم يقينـنا بأصل ثبوت الأحكام التي لا نعلم بثبوتها والتي يَدعي أهلُ الكتاب اشتمالَ كتبِهم السماوية عليها ، لا بل لعِلْمِنا بتحريف بعضِها ، كما تصرّح بهذا المعنى عدةٌ من الآيات الموَبِّخَة لليهود على تحريمهم ما لم يحرمه اللهُ تعالى فيما أنزله في التوراة . لاحِظْ مثلاً الآياتِ التاليةَ التي تصرّح بأنهم كانوا يحرّفون الأحكام الشرعية [ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثـنيْنِوَمِنَ المَعْزِ اثـنيْنِ ، قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنـثَيـينِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنـثَيـينِ ؟! نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنـتمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الإِبِلِ اثـنيْنِوَمِنَ البَقَرِ اثـنيْنِ ، قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنـثَيـينِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْـثَيـينِ ؟! أَمْ كُنـتمْ شُهَدَاءَ إِذْوَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا ؟! فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً لِّيُضِـلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) ... قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا ، فَإِن شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ، وَلاَتـتبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتـناوَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاًوَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَتَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ ، نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْوَإِيَّاهُمْ ،وَلاَتَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ،وَلاَتَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، ذَلِكُمْوَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يـبلُغَ أَشُدَّهُ،وَأَوْفُوا الكَيْلَوَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ، لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّوُسْعَهَا ، وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ،وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ، ذَلِكُمْوَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُوَلاَتـتبِعُوا السُّـبُلَ فَتـفرَّقَ بِكُمْ عَن سَبـيلِهِ ، ذَلِكُمْوَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تـتـَّقُونَ (١٥٣)][٨٩٣] وغيرها من الآيات التي تـفيد أنهم حرّفوا آياتِ الله وحرّموا حلالَه وحلّلوا حرامَه .
إذن لا يمكن لنا أن نأخذ من طرقهم ، لِعِلْمِنا بتحريف بعض الأحكام الموجودة في كتبهم ممّا يُخْرِجُ الجميعَ من الحجيّة ، فإن قلتَ : لا ، بل بناءً على صحّة البعض يجب الإحتياط فيها ، قلتُ : هذا غير صحيح ، وذلك لعدمِ وجودِ طرق صحيحة من زمان الأنبـياء السابقين (علیهم السلام) إلى زمانـنا ، فهي إذن غيرُ ثابتة الحجيّة من الأصل ، فينخدش العلمُ بوجود أحكام شرعية في شرائعهم غيرِ معلومة في شريعتـنا ،
[٨٩٣] سورة الأنعام .