دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٤٢ - ١ ـ دعوى التمسّك بالكـتاب الكريم
(يرويه ـ خ) عنا ثقاتـنا ، قد عرفوا بأنـنا نفاوضهم بسِرّنا ونحمّله إياه إليهم ، وعرفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله تعالى [٣٩٠]، فإنك إن فهمت منها تـنزيل احتمال إصابة خبر الثقة منزلة العلم فإنّ الخبر سيخرج ح من تحت آيات الظنّ خروجاً تخصّصياً ـ وليس خروجاً تخصيصياً ـ لأنه لم يعد ظنّاً موضوعاً ، وإن فهمتَ منها مجرّدَ إعطاءِ خبرِ الثقة صفةَ أنه منجِّز ومعذِّرٌ ـ فقط ـ فإنّ خبر الثقة سيَخرُجُ ح من تحت آيات الظنّ خروجاً تخصيصياً ، لأنه لم يُنفَ عنه صفة أنه ظنّ حقيقةً . لكن يـبقى إشكال قوله (عج) ثقاتـنا فإنه يحتمل أن يكون مُعطَى الحجيّةِ هو خصوص ثقاتهم i.
والثالث : على أساس مسلك جعل الحكم المماثل ، فإنّ هذا المسلك يعتبر أنّ المولى تعالى يجعل حكماً ظاهرياً مماثلاً لمؤدّى خبر الثقة ، وهو أشبه شيء بمسلك الطريقية ، إنما مسلك الطريقية يعتبر احتمال إصابة خبر الثقة للواقع علماً شرعاً وتعبّداً ، وأمّا مسلك جعل الحكم المماثل فيعتبر مؤدّى خبر الثقة حكماً شرعياً ظاهرياً ، بمعنى أنّ المولى تعالى يجعل حكماً ظاهريّاً على طبق مؤدّى خبر الثقة ، وبذلك لم يَعُدْ مؤدّى خبر الثقة ظنّاً موضوعياً ، وذلك لأنه صار حكماً شرعياً ـ ظاهرياً ـ ، ولا يصحّ أن يقال للحكم الشرعي الظاهري بأنه ظنّي بمعنى أنـنا نـتبع الظنّ ، فيكون خروج خبر الثقة عن موضوع آيات الظنّ خروجاً تخصّصاً أيضاً ، كما كان الحال على مسلك الطريقية .
ولعلّك تذكر أننا شرحنا مرادنا من مسلك جعل الحكم المماثل ، فإننا لم نشرحه ـ كما شرحه غيرنا ـ بأنّ المراد ـ كما هو ظاهر اللفظ ـ هو أنّ جعل الحكم الثاني لغوٌ محض ، وذلك بـبـيان أنه لا داعي ـ بعد إعطاء الحجيّة لخبر الثقة ـ لأنْ يجعل المولى تعالى حكماً ظاهرياً موافقاً ومماثلاً لمؤدّى الخبر أو للأصل العملي ، فإنه لغو محض ، وهذا أشبه ما يكون بمن صلّى الصلاةَ صحيحةً ، فيجعل له المولى تعالى حكماً شرعياً آخر وهو الصحّة !! مع أنه يكفي حكم العقل بالصحّة بلا أيّ داعي لحكم شرعي جديد ، ولذلك قالوا بفساد هذا المسلك ، لكننا شرحنا مرادنا مراراً سابقاً بأنّ المراد منه هو اعتبار مؤدّى الأمارة واعتبار الوظيفة العملية حكماً شرعياً ظاهرياً ، لا حكماً عقلياً ولا حكماً عرفياً ، فلو قال الثقة هذا الثوب متـنجسٌ فإنّ المولى تعالى يعتبره متـنجساً ... ولذلك لن ترى مَن يتبنّى ويصحّح ما شرحوه من مسلك جعل الحكم المماثل لأنه واضح الفساد ... فراجع .
على أيّ حال ، فنحن حينما نرى أنّ خبر الثقة حجّةٌ شرعاً ، وقد أعطاه المولى تعالى الحجيّةَ في الآيات والروايات ، فنحن لا نـتَّبِعُ الظنّ شرعاً ، وإنما نـتَّبِعُ العلمَ ، ونـتبع تعاليمَ الباري تعالى الذي اَمَرَنا باتّباع
[٣٩٠] ئل ١ ب ٢ من أبواب مقدّمة العبادات ح ٢٢ ص ٢٧ .