دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٤١ - ١ ـ دعوى التمسّك بالكـتاب الكريم
وكذلك الأمر مِن خلال صحيحة أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (الهادي) (ع) قال : سألته وقلت من أعامل ؟ وعمّن آخذ ؟ وقول من أقبل ؟ فقال له : العَمْرِيّ ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعَنّي يؤدّي ، وما قال لك عنّي فعنّي يقول ، فاسمع له وأطِعْ ، فإنّه الثّقة المأمون ، وأخبرني أبو علي أنّه سأل أبا محمّد (ع) عن مثل ذلك فقال له : العَمْري وابنُه ثقتان ، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان ، وما قالا لك عنّي فعنّي يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنهما الثّـقتان المأمونان ، فهي تـنزّل مؤدّى خبر الثقة منزلة الواقع ، فإنّ الإمام (ع) لم يَقُلْ (ثقتاي) وإنما قال (فإنه الثقة المأمون) و (ثقتان) ورتّبَ على هذا أنّ مؤدّى كلامهما منزَّلٌ شرعاً منزلةَ الواقع .
ومن خلال مصحّحة إسحاق بن يعقوب قال : سألت محمد بن عثمان العَمْري أن يوْصِلَ لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علَيّ ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عج) : .. وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثـنا ، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ، وأما محمد بن عثمان العَمْري رَضِيَ اللهُ عنه وعن أبـيه مِن قَبْلُ فإنه ثقتي وكتابُه كتابي أي أنّ الإمام نزّل كتابه منزلة الواقع . نعم ، في هذا الإستدلال خدشةٌ ، وهي أنّ قولَه (عج) فإنه ثقتي يفيد أنّ كتاب ثقة الإمام خاصّة منزّلٌ منزلة الواقع ، لا كتاب مطلق الثقة . وهناك أدلّة أخرى تفيد صحّة مسلك الطريقية[٣٨٩].
الثاني : حتى ولو لم نُـثْبِتِ اعتبارَ خبرِ الثقة علماً وكاشفاً تعبّداً ، وإنما قلنا بأنّ المولى تعالى أعطى الحجيّة لخبر الثقة في آية النبأ وفي الروايات بمعنى التـنجيز والتعذير فقط ، فيَخرج بالتالي عن كونه غيرَ معتبر ، لكن يكون الخروج من دائرة الظنّ تخصيصياً ، أي أنّ الخروج من تحت آيات الظنّ يكون حُكْميّاً لا موضوعياً .
توضيح ذلك : سيأتينا أنّ آية النبأ تامّةُ الدلالة على حجّية خبر الثقة ، فإنْ فهِمْنا من (عدم لزوم التبين فيها ومن عدم كون خبر العادل جهالةً) إعطاءَ خبرِ العادلِ صفةَ العِلْمِ والبـيان فالقولُ الأوّل ـ أي التخصّص ـ هو الصحيح ، وإنْ فهِمْنا من (عدم لزوم التبين في الآية ومن عدم كون خبر العادلِ جهالةً) إعطاءَ خبرِ الثقة مجرّد الحجيّة ـ لا صفة العِلْمية والطريقية أيضاً ـ وأنّ خبر الثقة لا يزال ظنيّاً موضوعاً ولكنه حجّة شرعاً ، فالتخصيص هو الصحيح .
وكذلك الكلام إن نَظَرنا إلى التوقيع الشريف فإنه لا عُذْرَ لأحدٍ مِن موالينا في التشكيك فيما يؤدّيه
[٣٨٩] راجع ئل ١٨ ب ١١ من أبواب صفات القاضي ص ٩٨ ، فقد ذَكَر فيه ٤٨ رواية .