دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٨٤ - التطبـيق الرابع إختصاص الأصل المؤمّنِ بـبعض الأطراف
والجواب : إنّ قولكم : إنّ الأصل الطولي يكون في طول معارضة الأصلين وتساقطهما ، أو في طول المعارضة فحسب ، خلط بين الكلّ والجزء ، ووضع للكلّ مكان الجزء ، فإنّ المعارضة عبارة عن مصادمتين : مصادمة هذا لذاك ـ أي : مانعية مقتضية عن تأثير مقتضي ذاك ـ وبالعكس ، والأصلُ الطولي في الطرف الأوّل إنّما هو في طول مانعية مقتضي الأصل العرضي في الطرف الثاني عن تأثير مقتضى الأصل الأوّل وسقوط الأصل الأوّل ، لا في طول مجموع المانعيتين والتساقط الذي هو عبارة عن مجموع سقوطين[٢٤١].
وإذا كان الأمر كذلك ، فمقتضي الأصل العرضي في الطرف الثاني يمنع عن تأثير مقتضي الأصل العرضي في الطرف الأوّل ، وفي طول ذلك يتمّ مقتضي الأصل الطولي ، ويقع التمانع في التأثير عندئذٍ بين هذا المقتضي الجديد في الطرف الأوّل ، والمقتضي الثابت في الطرف الثاني الذي كان متمانعاً مع المقتضي الأوّل أيضاً في الطرف الأوّل .
الوجه الثاني : ما يأتي مباشرة بعد الوجه الأوّل ، وهو أنـنا عرفنا أنّ الأصل الطولي يكون في طول إحدى المانعيّتين والسقوطين ، لكن كلّ من المانعيّتين أو السقوطين كانا في عرض واحد ، فهذا الأصل الطولي المتأخّر عن أحدهما متأخّر لا محالة عن الآخر أيضاً ، فلا معنى لأن يزاحمه الأصل العرضيّ في الطرف الآخر ، إذ الأصل الطولي في طول سقوطه .
والجواب : أنّ هذا مبنيّ على مبنى قد يدّعى في الفلسفة من أنّ ما مع المتقدّم متقدّم ، وما مع المتأخّر متأخّر ، لكنـنا لا نقبل هذا المبنى في التقدّم الرتبـي ، فتأخّر هذا الأصل عن أحد العرضيـين لا يوجب تأخّره عن العرْضي الآخر ، فهو ـ أي العرْضيّ الآخر ـ في رتبة الأصل الطولي أيضاً ، بمعنى عدم الوجه لتقدّم العرضيّ الثاني على الأصل الطولي .
هذا ، ولا ينبغي بعد ذلك التمسّكُ لإثبات المقصود من حجّية الأصل الطولي بمفهوم قد ينـتزع عمّا عرفته من الوجه الثاني وذلك بأن يقال : كيف يعقل أن يعارض الأصل العرضي في الطرف الثاني الأصل الطولي ، مع أنّه قد عارض أصلاً متقدّماً رتبة على الأصل الطولي ؟! فإنّه لو عارض
[٢٤١] كان يمكن توضيح الجواب بإختصار بالشكل التالي : إنّ الأصل العرْضي الثاني سيصير ـ بعد التساقط بـينه وبين العرْضي الأوّل ـ معارِضاً للأصل الطولي أيضاً ، فإنّ التعارض بين العرْضيـين لا يعني موتَ العرْضي الثاني تماماً، أي أنّ التعارض بين العرْضيـين لا يرفع بقاء إمكان منع الأصل العرْضي الثاني مِن أنْ يَعمَلَ الأصلُ الطولي عَمَلَه .
ثم قال في الجواب على الوجه الثاني إنّ الأصل الطولي هو في عرْض الأصل العرْضي الثاني لا في طوله ، بل لا وجه لتقدّم العرضي الثاني على الأصل الطولي .