دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٣٦ - الإطلاق والتـقيـيد
المتيقّن من العلماء ـ ومنهم أقلّ من ذلك حتى تصل إلى أقلّ ما يصدق عليه العالم الديني ، كطلاّب السطوح العليا ـ مثلاً ـ ، ففي حالة الشكّ المذكورة لا تـنصرف أذهان السامعين بوضوح إلى خصوص الفقهاء ، ولذلك يجب عرفاً التمسّك بإطلاق اللفظ ، أي يجب التمسّك بكلّ ما يصدق عليه العالِمُ الديني بنظر المخاطَبين .
ونـتيجة المسألة هي أنّ قضيّة الظهور هي قضيّة صغرويّة بحتة ، فعلَى الإنسان أن يحاول فهْم المرادِ من المتكلّم ، والظهورُ هو المتّبَع ، حتى ولو لم يحصل عندنا اطمئـنان ، ومع الشكّ في الإنصراف يجب التمسّك بالمدلول الوضعي للكلمة ، فهو الحجّة العرفيّةُ والشرعيّة لنا وعلينا ، وهذا هو شأن العبـيد مع مواليهم ، حتى ولو لم يحصل عندنا اطمئـنان بأنّ المدلول اللغوي هو المراد الجدّي للمتكلّم . لكنْ عادةً يكون ما توصّلنا إليه هو مراد الشارع المقدّس ، لأنّ المعصومين iبصدد بـيان الشرع ، يقول الله تعالى وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبين لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ][١٠٧]، ولا يحتمل في حقّهم أن يُخفوا عنّا شرائعَ الله جلّ وعلا .
فلو وردتـنا لفظةُ (إمام) مثلاً في بعض الروايات ـ سواءً في باب الجهاد أو في باب ولاية الفقيه أو في صلاة الجمعة أو في غيرها ـ وشككنا في إرادة المعنى اللغوي المطلق منها ، أو إرادة خصوص المعصوم ، فإنّا في هكذا حالة علينا الأخذُ بالمعنى اللغوي للفظ ، وهو كلّ ما يصدق عليه (إمام) لغةً وعرفاً حتى تـنصرف أذهانـنا بوضوح إلى إرادة خصوص المعصوم i.
ولا شكّ أنك تعلم أنّ المعنى اللغوي المتبادَرَ إلى الأذهان ينشأ من الوضع ، والإطلاقُ ينشأ من عدم تـقيـيد اللفظ ومن حال المتكلّم ، لذلك يكون المعنى اللغوي المتبادَرُ مدلولاً تصوّرياً ، والإطلاقُ مدلولاً تصديقيّاً ، لأنّ الإطلاقَ ظهورٌ حالي ـ أي ينشأ من حال المتكلّم ـ سياقي ـ أي ينشأ من عدم تـقيـيد الكلام ـ .
كما أنك تعلم[١٠٨] أنّ الإطلاق إمّا شموليّ ـ كما في أكرِمْ العالِمَ ولا تكْذِبْ ـ وإمّا بدلي ـ كما في صَلِّ وأكرِمْ عالماً ـ ، والحكمُ في الأوّل متعدّدٌ بتعدّد العلماء ، فكأنه قال "أكرِمْ هذا العالِمَ وذاك العالِمَ وذلك العالِمَ ..." ، والحكمُ في الثاني واحد .
[١٠٧] النحل ـ ٤٤ .
[١٠٨] إذا قلنا "لا شكّ أنك تعلم" فإنه إشارة إلى وجوده في الكتب التي درسها الطلاّب كثيراً في مرحلة السطوح ، لكن لا محيص لنا من التذكير بها كإشارات فقط .