دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٥١ - تـنبـيهات الأخبار العِلاجيّة
الآخر لا يمكن العملُ بهذا الخبر[٩٦٧] وجَبَ العملُ بالخبر الذي يمكن مع العمل به العملُ بالخبر الآخر ، لأنّ الخبرين جميعاً منقولان مجمعٌ على نقلهما ، وليس هناك قرينةٌ تدل على صحة أحدهما ، ولا ما يرجَّحُ أحدُهما به على الآخر ، فينبغي أن يُعمل بهما إذا أمكن ، ولا يُعمل بالخبر الذي إذا عُمِلَ به وجب اطِّراحُ العملِ بالخبر الآخر . وإن لم يمكن العمل بهما جميعاً لتضادِّهِما وتـنافيهما وأمكن (هذا مِن سَهْوِ القَلَمِ ، والصحيحُ : ولم يمكن) حمْلُ كلِّ واحدٍ منهما على ما يوافق الخبرَ الآخر على وجه ، كان الانسانُ مخَيَّراً في العمل بأيِّهِما شاء[٩٦٨] .
وأما العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الآخر فهو أن يكون الراوي معتقداً للحقّ ، مستبصِراً ، ثِقَةً في دِينه ، متحَرِّجاً مِنَ الكذب غيرَ متَّهَمٍ فيما يرويه ، فأمّا إذا كان مخالفاً في الإعتقاد لأصل المذهب ورَوَى مع ذلك عن الأئمة (علیهم السلام) نُظِرَ فيما يرويه : فإن كان هناك مِن طُرُقِ الموثوقِ بهم ما يخالفه وجب اطِّراحُ خَبَرِه ، وإن لم يكن هناك ما يوجب اطِّراحَ خَبَرِه ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به . وإن لم يكن من الفرقة المحقة خبرٌ يوافق ذلك ولا يخالفه ، ولا يُعرَف لهم قولٌ فيه ، وجب أيضاً العمل به ، لما رُوِيَ عن الصادق tأنه قال : إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما رُوِيَ عَنّا فانظروا إلى ما رَوَوه عن عليّ tفاعملوا به ، ولأجْلِ ما قلناه عملت الطائفةُ بما رواه حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن دراج والسكوني وغيرُهم من العامّة عن أئمتـنا (علیهم السلام) فيما لم يُنكِروه ولم يكن عندهم خلافه .
[٩٦٧] كما إذا جاءنا خبرٌ يقول "في حال الشكّ بالطهارة ولم يكن هناك حالة سابقة فابْنِ على الطهارة" ، وجاءنا خبر آخر يقول "في حال الشكّ بالطهارة وكان هناك حالة سابقة فابْنِ على بقاء الحالة السابقة" ، ثم شككنا في طهارة ماء الخزّان الموجود على السطح ، فبنينا على طهارته لعدم علمنا بالحالة السابقة للماء ، وكان عندنا ثوب متـنجّس ، فغسلنا الثوبَ بماء الخزّان الذي بَنَينا على طهارته بقاعدة الطهارة ، فإنـنا بذلك نُلغي العملَ باستصحاب نجاسة الثوب في هكذا حالة فقط ، ولا نكون قد ألغينا الإستصحابَ من أصله ، أمّا لو استصحبنا بقاءَ نجاسة الثوب ـ رغم غسْلِه بالماء المبنيّ على طهارته بقاعدة الطهارةـ فإنّ هذا يعني إلغاءَ قاعدةِ الطهارة من الأصل ، لأنّ قاعدة الطهارة ستكون بلا فائدة أصلاً ، فإذن الأوّلُ هو الصحيح لأنّ إجراء قاعدة الطهارة لم تُلغِ الإستصحابَ من الأصل ، أمّا لو أجرينا الإستصحابَ فإنـنا نكون قد ألغينا قاعدةَ الطهارة الشرعيّة من الأصل ، ويسمّون قاعدة الطهارة هنا بالأصل السبـبي ، والإستصحاب بالأصل المسبـَّبي .
[٩٦٨] أقول : لا دليل على صحّة التخيـير .