دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٣٩ - الموقفُ الشرعي في حال تعارض الأمارتين
عبد الله بن جعفر الحِمْيَري ورواياته ، إذ قال في ست : أخبرنا جماعةٌ عن محمد بن علي بن الحسين عن أحمد بن هارون الفامي وجعفر بن الحسين بن علي بن شهريار القمّي (شيخ أصحابنا القميـّين ثقة) عنه ، وهو سند صحيح .
وفقرةُ الإستدلال منها قولُه (عج) وبأيِّهما أخذْتَ مِن جهة التسليم كان صواباً ، والإستدلالُ بها باعتبار كلمة مِن جهة التسليم وذلك عند عدم إمكان الجمع بين الروايتين ، بحيث يَستشعِرُ منها القارئُ إرادةَ إعطاء قاعدةٍ عامّة ـ أي إعطاء أصل عملي ظاهريّ ـ في حال التعارض المستقرّ بين الروايتين المعتبرتين وهي قاعدة التخيـير بالأخذ بأحد الخبرين ، فأوّلُ الخبرين يقول باستحباب التكبـير عند القيام من التشهّد الأوسط ، والثاني يُنكِرُ الإستحبابَ !! ولا نجِدُ مَخرَجاً لقوله (ع) مِن جهة التسليم إلاّ إرادةَ إعطاء قاعدة عامّة عند تعارض الروايتين المعتبرتين وهي التخيـير بـينهما . وقولُه مِن جهة التسليم أي أنك إذا أخذت بأيٍّ من الخبرين كان صواباً ، بمعنى أنّ لك أجراً على التسليم لله ولرسوله .
والصحيح أنّ الإستدلال بالرواية غيرُ وجيهٍ ، وذلك لأنه لا يمكن أن يصدر من ساحة العصمة ما فيه تعارض مستقرّ ، فإمّا أنْ نُرجِـعَ الروايةَ إلى أهلها ، وإمّا أن يكون لها جمْع عرفي . وبما أنّ الحديثين المرويـَّين عن طريق الإمام هما قطعيّا الصدور ـ لأنّ الإمام (ع) لا يمكن أن يروي لنا روايةً خاطئة ـ فلا بد إذَنْ من وجود جمع عرفي بين الروايتين . والجمع العرفي بين الحديثين أن نقول بأنّ مرادَ الإمام هو أن يقول بأنّ له أن يُكَبِّرَ تكبـيرةً واحدة بعد القيام من السجدة الثانية ، وبالتالي يَسقُط الإستحبابُ المخصوصُ الوارد في الصلاة ، ولكن ـ مع ذلك ـ له أن يُكَبِّرَ تكبـيرةً ثانية بعد التشهد بعنوان الإستحباب المطلق فيكون نوراً على نور . هذا ولكنْ كلامُنا إنما هو في الأمارات الظنّيّة ، لا في الأمارات القطعيّة ، فيكون التمثيلُ بهذه الرواية خطأً .
* إذن ما هو المراد من قوله (ع) مِن جهة التسليم ؟
يظهر أنّ المراد هو أنك بأيّهما أخذتَ ـ بالأكثر استحباباً أو بالمستحبّ المرسوم الوارد في الصلاة ـ كان صواباً ، لأنّ التكبـير مهما زاد هو نور على نور ، وعالَمُ الإستحباباتِ لا حَدَّ له ، فلو استغنيتَ بالتكبـيرة السابقة بعد القيام من السجدة الثانية كان صواباً لأنك قد فعلتَ الإستحباب الوارد في الصلاة ، ولو كبّرتَ بعد التشهّد تكبـيرة ثانية كان ذِكْرَ اللهِ وهو حَسَنٌ على أيّ حال .