دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٠٢ - الجهة الاُولى في المراد من التعارض إجمالاً
هذه الأمارات مورداً ووظيفة ، وكذلك لا تعارض بين الأصول العمليّة أنفسها في عالم الجعل ، وإنما لكلّ أصل موردٌ ووظيفة ، أي أنه لن يتـنجّزَ عليك ـ في المورد المجهول الحكم ـ إلاّ أصلٌ واحد فقط ، لا أصلان لتقولَ وقع التعارضُ بـينهما . تـفصيل ذلك : لا مجال للتعارض بين الإستصحاب وبين البراءة أو الحِلّ مثلاً وذلك لكون الإستصحاب مختصّاً بالشبهات الموضوعيّة عندنا ، والبراءةُ والحِلُّ مختصّان بالشبهات الحكميّة ، كما لا تعارض بين الإستصحاب وقاعدة الطهارة لأنّ الإستصحاب وارد على الطهارة ، فيقدَّم عليها ، وإنما قلنا (واردٌ) لأنّ الإستصحاب يُلغي موضوعَ الطهارة ، وليس في عرْض قاعدة الطهارة . كما لا يُتصوّر التعارضُ بين الإستصحاب وبين أصالة عدم التذكية ، وذلك لأنّ أصالة عدم التذكية هي فرع من فروع الإستصحاب ، وكذلك لا يُتصوّر التعارض بين الإستصحاب وبين أصالة الإشتغال ، لأنّ الإشتغال هو أيضاً فرع من فروع الإستصحاب .
ونحن لو قلنا (يتعارض الإستصحابان) فنحن لا نقصد التعارضَ المصطلح ، وإنما نقصد معنى (التكاذب) ، وذلك (١) كما لو كان كلا الإناءين طاهراً ، ثم علمنا بطروء نجاسة على أحدهما ، فلو أردنا أن نستصحب طهارةَ كلّ منهما فإنّ الإستصحابَين سوف يتكاذبان ـ لأنّ عِلْمنا بنجاسة أحدهما سوف يوقعهما بالتكاذب ـ وهذا ما نعبِّر عنه ـ تساهلاً ـ بالتعارض .
و (٢) كما لو شككنا ـ في حال غَلَينا الزبـيبَ ـ هل نستصحب بقاءَ الحكم الشرعي ـ القائل بـ (حرمةِ العصير العنبي إذا غلى) ـ إلى حالةِ ما لو جَفّ العنبُ وغَلَى ، أو نستصحبُ بقاءَ حِلّيّة الزبـيب من قبل الغليان ؟ فنحن هنا لا نقصد من (التعارض) المعنى المصطلح ـ أي التعارض في مرحلة الجعل ـ وإنما نقصد من (التعارض) هنا هو (التعارض في النـتيجة) أي أنـنا لو أردنا أن نجري الإستصحابَ في كلا الموردين ـ على قول مَن يقولُ بجريان الإستصحابين هنا ـ فسوف يتعارضان من حيث النـتيجة ، لأنّ الأوّل يفيدنا الحرمة ، والثاني يفيدنا الحِلّيّة . على كلّ ، عرفتَ في بحث الإستصحاب في الأحكام المعلّقة عدمَ صحّة جريان الإستصحاب فيهما . كما أنه ليس بين البراءة الشرعيّة ـ كجَعْلٍ كلّي ـ وأصالةِ الإحتياط العقليّة ـ بناءً على مسلك حقّ الطاعة ـ تعارضٌ ، لأنّ قاعدة البراءة الشرعيّة ـ كحُكْمٍ شرعي كلّي ـ واردة على الإحتياط العقلي لأنّ البراءةَ الشرعيّة تُلغي شرطَ الإحتياط العقلي وهو الشكّ ، ذلك لأنّ العقل إنما يحكم بلزوم الإحتياط في حال عدم وجود دليل محرِز ولا أصل عملي شرعي ، فإذا بَلَغَنا أصلٌ شرعي يفيدنا جوازَ إجراءِ البراءة لكانت قاعدة البراءة الشرعية ح واردةً على أصالة الإحتياط العقلي .
فإذن يـَبقَى أنّ أهمّ مباحث التعارض تكون بين الأخبار المعتبَرة شرعاً .