دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٠٠ - الجهة الاُولى في المراد من التعارض إجمالاً
، يَرفعُ دليلُ حجيّة الظهور المشكلةَ إلى دليل حجيّة خبر الثقة فيقول له (أنا لا يمكن لي أن أعطي الحجيّةَ لكلا الظهورين ، وأصلُ المشكلة هي من عندك ، فماذا أنت فاعل ؟) فيقول له دليلُ حجيّة خبر الثقة (صحيح ، أصل المشكلة هي في صدور هكذا روايات ، لكني أنا أيضاً لا أعطي كلا هذين الخبرين المتعارضَين الحجيّةَ ، ولذلك أنا آمُرُ الفقهاءَ بالترجيح السندي بـينهما أوّلاً وتكون الحجيّةُ لأحدهما فقط) .
وليس فقط التعارضُ بين الجعلين محالاً ، لا بل التعارضُ بين ملاكيهما محال أيضاً لتضادّهما ، فإنه لا يمكن أن يكون في بـيع الكلاب الثلاثة مصلحةٌ ملزمة ومفسدةٌ ملزمةٌ في نفس الوقت ، وكذا لا يمكن أن يكون فيه محبوبـيةٌ تامّة ومبغوضيّةٌ تامّة في نفس الوقت ... وهذا أمر بديهي ، فكلّ المسلمين يعلمون أنه لا يمكن التعارض بين الأحكام الشرعيّة نفسها ، أو قُلْ : يستحيل أن يتعبّدنا الباري تعالى بالمتـناقضَين أو المتضادّين ، كما ويستحيل أيضاً التعارضُ بين نفس الأحكام العقليّةكما في مثال (كلمة العَدل أمام سلطان جائر) ، فلا يمكن أن يحكم العقلُ بحُسْنِ ذلك وبقُبحِهِ ، أو قُلْ إنّ عقل الإنسان لا يحكم بأمرين متعارضَين ، وكذلك يستحيل التعارضُ بين نفس الأحكام القطعيّة ، كالتعارض بين الأدلّة القطعيّة كالآيات أو الروايات المتواترة ، لا بل الأحكام العقليّة لا تكون معتبرةً عقلاً إلاّ إذا كانت قطعيّة ، ولذلك الأحكام العقلية تكون مصداقاً من مصاديق الأحكام القطعية ، والإنسانُ لا يقطع بأمرين متعارضين . وأيضاً لا يقع تعارض بين حكم قطعي وحكم ظنّي حتى ولو كان الظنيُّ حجّةً شرعاً كخبر الثقة ، وإنما يتقدّم الحكمُ القطعي دائماً بالورود ، بمعنى أنّ هكذا تعارضاً لن يحصل لأنّ قطْع الإنسانِ بأمْرٍ يُلغي عنده الظنَّ موضوعاً ، فأنت إذا كنت ترى الكعبةَ أمامك فإنك لن تـتبعَ الأمارةَ الظنيّة ولن تسأل عن اتّجاه القبلة من الثقة . لكنْ لو تعارض ظهور خبر ثـقة مع ظهور آية وكان يمكن الجمع العرفي بـينهما بالحكومة أو بالتقيـيد أو بالتخصيص أو بالأظهريّة لوجب الجمع العرفي بين الدلالتين بلا شكّ ، وذلك بعد اعتبار الشارع المقدّسِ خبرَ الثقةِ عِلماً ، ولا يسمَّى هذا تعارضاً بالمصطلح الأصولي ، ولا مانع من تسميته بالتعارض الغير مستقرّ ، أي التعارض البدْوي ، ويعبّر عن هذا البحث بتخصيص العام الكتابي بخبر الثـقة ، ولا مانع من القول بدلالة آية النبأ وسائر أدلّة حجيّة خبر الثقة على حجيّة خبر الثقة حتى في هكذا حالة .
وليس بين الحُكْمَين الفعليـَّين تعارضٌ ، فلو وجب على شخصٍ إنقاذُ الغريق والصلاةُ فعلاً ، فإنّ وجوب الإنقاذ يكون فعليًّاً ومنجَّزاً ـ لكونه أهمَّ من الصلاة ـ وأمّا وجوبُ الصلاة فيكون فعليًّاً فقط ـ لا