دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٩٥ - ٩ ـ الرجوع إلى عموم العام أو استصحاب حُكْمِ المخصِّص
لا يصحّ أن تقول بأنّ علينا أن نستصحب بقاء الإذن ، لأنّ الإذن الشرعي زال بانـتهاء المضاربة ، والأصلُ عدم الإذن المالكي إلاّ في القدر المتيقّن . وبتعبـيرٍ آخر : الفرْضُ هو حصولُ شكّ في وجود هكذا اُذون شرعيّة أو مالكيّة في الفترة المشكوكة ، فهنا لا يصحّ استصحابُ بقاء الإذن لأنّ الأصلَ عدمُه ، ولذلك ترى القاضي بعقلائيَّته ـ إذا شَكّ بين كون الإذن يوماً أو يومين ـ يـَبني دائماً على الأقلّ ، وهذا أمْرٌ بَـيِّنٌ وواضحٌ شرعاً وعقلاً ، فيُرجَعُ ـ لا محالةَ ـ إلى إطلاق (على المدّعِي البـيِّنةُ) بلا معارض .
*وهناك حالاتٌ تَصوَّرَ بعضُهم أنها تـنزل تحت عنوان مسألتـنا كما تلاحظ في المثالين التاليين :
الأوّل : لعلّ المشهور بين العلماء هو أنه إنْ رَضِيَ المكرَهُ بما أكرِهَ عليه من العقد فإنّ العقدَ ح يصح ، وخالف في ذلك صاحبُ مجمع الفائدة والبرهان ، فقد استظهر البطلانَ لعدم حصول القصد من الأوّل ولعدم صدور العقد عن تراض ، ولأنه لا اعتبار بذلك الرضا اللاحق في نظر الشارع فهو بمنزلة العدم ، ثم قال : "وبالجملة ، لا اِجماع فيه ولا نصّ ، والأصلُ والإستصحابُ وعدمُ الأكل بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراض يدل على عدم الإنعقاد ، إلا أن المشهور الصحة وما نعرف لهم دليلاً" (إنـتهى ما في مجمع الفائدة والبرهان) [٩٠٤] ، وفي الكفاية ـ بعد نسبة الصحة إلى الأصحاب ـ قال : ".. إِستـناداً إلى تعليلات اعتبارية من غير نصّ" (إنـتهى) [٩٠٥] ، وفي الجواهر : ".. إن لم تكن المسألة اِجماعيةً فللنظرِ فيها مجالٌ كما اعترف به في جامع المقاصد ضرورةَ عدم اندراجه في العقود بعد فرض فقدان قصد العَقْدِية وأنّ صدور اللفظ من المكرَه كصدوره من الهازل والمجنون" (إنـتهى) [٩٠٦] .
وقد تقول : هو قاصدٌ للعقد ، إلاّ أنّ المانع من صحّة عقده هو الإكراه ، لا عدمَ القصد ، فبَعد القبولِ بالعقد أي بعد رضاه به وطيب نفسِه لا يكون أكْلُ المالِ ح أكلاً له بالباطل ، ولعلّك تعلم أنّ العُمدة في إثبات قدح الإكراهِ هو حكمُ العقلِ والإجماعُ وحديثُ رُفِعَ عن أمتي ما أكرهوا عليه ، وهذا مختصٌ بحال وجود الكراهة ، فإذا زالت الكراهة المذكورة وتبدلت بالرضا فلا تصلح الأدلّةُ المذكورةُ ح لإثبات البطلان ، وأما حديث الرفع فلأنّ اجراءَه حينـئذٍ ـ أي رغم القبول بالعقد ـ هو خلافُ الإمتـنان في حق المكرَه . فالمرجع حينـئذٍ هو عموم [العقود] وإطلاقُ [تجارة عن تراض] في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
[٩٠٤] مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان للفقيه المحقق أحمد المقدس الأردبـيلي المتوفى سنة ٩٩٣ هـ ق / ج ٨ ص ١٥٦ .
[٩٠٥] كفاية الفقه المشتهر بـ (كفاية الأحكام) للمولى محمد باقر السبزواري المتوفَّى ١٠٩٠ هـ / ج ١ ص ٤٤٩ .
[٩٠٦] جواهر الكلام ج ٢٢ / في شرائط المتعاقدين ص ٢٦٧ .