دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٨٠ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تـفسيره الأمثل : "لا شك أن زكريا كان مؤمناً بوعد الله ، وكان مطمَئـنّاً لذلك ، إلا أنه لزيادة الإطمئـنان طلب من ربه مثل هذه العلامةِ والآية ، فخاطبه الله قال [آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا] وأشغِلْ لسانَك بذكر الله ومناجاته . لكن ، أيّةُ آيةٍ عجيـبةٍ هذه ! آية تـنسجم من جهةٍ مع حال مناجاته ودعائه ، ومن جهة أخرى فإنها تعزله عن جميع الخلائق وتقطعه إلى الله حتى يشكر الله على هذه النعمة الكبـيرة ، ويتوجَّهَ إلى مناجاة الله أكثر فأكثر[٨٧٧] . إن هذه آيةٌ واضحةٌ على أن إنساناً يمتلك لساناً سليماً ، وقدرةً على كل نوع من المناجاة مع الله ، ومع ذلك لا تكون له القدرة على التحدث أمام الناس ! بعد هذه البشارة والآية الواضحة ، خرج زكريا من محراب عبادته إلى الناس ، فكلمهم بالإشارة [فخَرَجَ على قومِه مِنَ المحرابِ فأَوحَى إليهم أن سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيّاً] لأنّ النعمة الكبـيرة التي مَنَّ اللهُ بها على زكريا قد أخذت بأطراف القوم ، وكان لها تأثير على مصير ومستقبل كل هؤلاء ، ولهذا فقد كان من المناسب أن يَهِبَّ الجميعُ لشكر الله بتسبـيحه ومدحه وثـنائه . وإذا تجاوزنا ذلك ، فإنّ بإمكان هذه الموهبة التي تُعتبر إعجازاً أن تحَكِّمَ أسسَ الإيمان في قلوب الناس ، وكانت هذه أيضاً موهبة أخرى" (إنـتهى) [٨٧٨] .
إذن فلم يكن (عدمُ الكلام) تشريعاً كي يُستصحَب ، وإنما المظنون أنها كانت اعتقالاً للسان زكريا (ع) .
[٨٧٧] هنا يـَبرُزُ سؤالٌ وهو : ألا تعني هذه الآيةُ ـ بناءً على هذا التفسيرـ رجحانَ السكوتِ مِن أجْلِ التفرّغِ لِذِكْرِ اللهِ وشكرِه ؟ يظهر أنه نعم ، يَرجُحُ السكوتُ لِذِكْرِ اللهِ وشكرِه ، فلو لم يكن هذا راجحاً لما جعله اللهُ على نبـيّه زكريا ، ولو جَعْلاً تكوينياً .ولا ينبغي أن يُفهم من هذه المقولة أني أحبِّذُ صيامَ الصمت فقد روى أصحابُنا أنّ النبيّ (ص) نَهَى عن صوم الصمت ، وأجمع أصحابنا على ذلك ، ورَوَتِ العامّةُ أنه روى أبو داوود باسناده عن عليّ رضي الله عنه قال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا صُمَات يوم إلى الليل المغني لعبد الله بن قدامة ج ٣ ص ١٤٩) والصُّمات بضمّ الصاد هو إطالة السكوت ، والمعنى هو حرمة صوم الصمت في شرعنا ، وإنما أريد أن أقول بأنه لا شكّ في رجحانِ السكوتِ والتفرُّغِ لِذِكْرِ اللهِ وشكرِه ، ولو لعدّة ساعات ، فعن الإمام الكاظم (ع) : يأتي على الناس زمانٌ تكون العافية في عشرة أجزاء : تسعةٌ منها في اعتزال الناس وواحدةٌ في الصمت بل هذا ما يراه العقلُ أيضاً . على كلٍّ ، لم يَثبُت وجودُ صومِ الصمت في الشرائع السابقة لتُستصحَبَ شرعيّتُه .
[٨٧٨] المجلّد ٩ ص ٤١١ .