دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧٢ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
قَبْلِهم في أزمان السابقين ، لكن الله قَبِل بِدْعَتَهُم هذه ، لأنها كانت جيّدة في ذاتها ولتُوْصِلَهم إلى [رِضْوانِ اللهِ] وهذا صريح في أنه جلّ وعلا شرّعها لهم إستـثـناءً ، أي من باب الحكم الثانوي ، لغرضهم الجيّد ، لكنِ الفاسقون منهم ما رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فلعلّهم شابوا ذلك بـبعض البدع المبغوضة كترك الزواج ولبس المسوح وترك اللحوم ونحو ذلك وبالرياء أو بالإعتماد في معاشهم على غيرهم ، أو صار همّهم الدنيا وجمعَ المال من الناس على أساس أنهم رهبان متـفرّغون لعبادة الله .
*وبما أنـنا لا نعرف حقيقةَ ما تركوه فلا يَدخل هذا الموردُ في بحث (استصحاب الشرائع السابقة) لأنـنا لا نعرف رهبانيّتَهم بالتـفصيل ، أي لا نعرف ماذا كان يفعل المؤمنون منهم وماذا كانوا يتركون لنستصحبَ مشروعيّةَ ذلك ، فلا يقين بالحدوث ولا شكّ في البقاء .
*نظرة المفسّرين إلى آية [ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ،وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ، وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةًوَرَحْمَةًوَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ، مَا كَـتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ،وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)] .
قال الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر : "ويمكن أن نفهم من هذه الآية الكريمة عدةَ أمور : الأمر الأول : إنّ هذه الرهبانية بمنطوق الآية هي من عطاء الله سبحانه للذين اتبعوا النبي عيسى بن مريم (ع) ، وقد عدّها اللهُ سبحانه إلى جنب الإنجيل ليكونا معاً مفخرة من مفاخر دين هذا النبيّ الكريم . الأمر الثاني [الَّذِينَ اتَّبَعُوه] هم الذين اتبعوه بحق ، كما هو ظاهر الآية الكريمة ، لأن مَن يدّعي الإتباع بالباطل لا يكون تابعاً حقيقياً يَشهَد اللهُ له في الآية بالإتباع ، وإنما ذاك صورةُ الإتباع وليس واقعاً . الأمر الثالث : إنّ الرهبانية من الرَّهْبَة ، وهي درجة عالية من درجات الخوف من الله عزّ وجلّ ، والرهبانية هي هذه الرهبة بالذات مع ما تستـتبعه من سلوك حياتي معَيَّن هو في الأغلب الإنقطاعُ عن الناس وتركُ طريق الدنيا على العموم . الأمر الرابع : ممّا نفهمه من الآية الكريمة أنّ الرهبانية مكانُها الأصلي هو القلب [وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً] فهي عطاء من الله موطنُه قلوبُ أولئك الذين اتبعوا نبـيَّهم اتباعاً حقيقياً ، والقلب هو ظرف العواطف ، كما أنّ العقل هو ظرف الإدراك والفكر . والرهبانية أو الرهبة من أجَلّ العواطفِ تجاه الله ، وتحصل عندما يُدْرِكُ الفردُ بوضوح موقفَه المتصاغِرَ كعبدٍ ذليل خاضع لله الربّ القوي العظيم ، فتحدث في قلبه الرهبةُ والخشيةُ ، وفي جسمه الرعدةُ ، وفي وجهه الصفرة ، وفي فكره الذلة ، وفي نفسه الضِّعَة أمام الله العلي العظيم . الأمر الخامس : الرهبة هي الإستعظام يعني الشعور بأنّ الطرف الآخر عظيم وجليل ومرهوب