دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٥٦ - ٧ ـ الأصلُ المـُثْبِت
بـينهما ـ التي هي سبب تقذُّرِ الطاهر ـ هي سراية القذارة من المتـنجِّس إلى الطاهر ، لذلك فقد يستصحب بعض المتـفقّهين الرطوبةَ الكثيرة من هذا الباب ليُثْبِتوا النجاسةَ ويَغفلون عن المانع الأوّل .
والمثال الثاني ـ في الواسطة الخفيّة أيضاً ـ : لو لم يكن على أعضاء الوضوء حاجبٌ سابقاً ، لكنـنا احتملنا طروءَ حاجبٍ عليها ، ورغم ذلك لم نـنظر وتوضّأنا مستصحِبين عدمَ طروء الحاجب !! هذا الإستصحابُ لعدم وجود حاجب هو خطأ ، لأنّ الإستصحاب هنا إنما يراد منه (إثباتُ غَسل البشرة) وهو أثر تكويني وجودي لا شرعي ـ أي لا موضوعي ولا تكليفي ـ فهو لا يَثْـبُتُ بالإستصحاب . وبتعبـيرٍ آخر : (إثباتُ غَسل البشرة) ـ الذي هو أثر تكويني ـ يراد أن يترتّب عليه أثرٌ شرعي وهو صحّة الوضوء ، وبما أنه لا يثبت ، فسيكون الإستصحاب باطلاً ، وسيكون الجاري هنا هو استصحاب عدم وصول الماء إلى البشرة .
والسرّ في عدم جريان الإستصحاب في هكذا حالات هو أنّ لازمَ المستصحَبِ فيها شيءٌ ، وموضوعُ الأثرِ الشرعي شيءٌ آخر ، فلازمُ المستصحَب هنا هو وصول الماء إلى البشرة تعبّداً ، مع أنّ المطلوب شرعاً هو إثبات وصول الماء إلى البشرة بنحو القطع الوجداني . ومن الطبـيعي أنه مع عدم إثبات وصول الماء إلى البشرة بنحو القطع الوجداني لا يترتّب الحكمُ الشرعي ، حتى ولو كانت الواسطة العقليّة خفيّةً ، لأنّ المشكلة هي في عدم تحقّق موضوع الحكم الشرعي وشرطِه الذي هو وصول الماء إلى البشرة ، فلو تخيّل العرفُ أنّ موضوع الحكم الشرعي قد تحقّق ، فهذا ليس مبرّراً لنا ـ نحن الذين نعلم بعدم تحقّق موضوع الحكم حقيقةً ـ أن نجري الإستصحابَ .
*بـيان النحو الثاني ـ أي الإستصحاب الصحيح ـ في أمثلة :
في نفس مثال انهدام الحائط إلى جهة زيد الذي كان نائماً تحته ، وكذلك في مثال مَن أطلق رَصاصةً على زيد وهرب ولم يدرِ هل أصابت الرصاصةُ زيداً أم لا ... يَستصحِب الفقيهُ عدمَ موت زيد وبالتالي بقاءَ حياته لأنه استصحاب موضوعي يترتّب عليه وجوبُ الحكم بـبقاء الزوجيّة وحرمةُ تقسيم مالِه مباشرةً . ولا يوجد مانع يمنع من هذا الإستصحاب الموضوعي ، فإنه يترتّب عليه أثر شرعي مباشر ومن دون توسّط آثار تكوينيّة .