دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٢٤ - ٣ ـ الإستصحاب في الموضوعات المُرَكَّبَة
قلتُ : هذا الإشكال غير صحيح ، فهناك فرق بين أن يكون الموضوع مركّباً بنحو الإقتران كما فيما نحن فيه وبين أن نريد من الإستصحابِ إثباتَ عنوان وجوديّ كالموت فيما لو كنّا نستصحب بقاءَ زيد تحت الحائط ـ في المثال المشهور ـ لنُـثْبِتَ موتَه بهذا الإستصحاب ، ثم لنُرَتّب على ذلك وجوبَ اعتداد زوجته وتقسيم ماله ، فهذا هو الأصلُ المثبت المرفوض شرعاً وعقلائياً ، أمّا لو كنت تستصحبُ عدمَ صيرورة الماء كرّاً إلى ما بَعد الساعة الثانية ـ وهي الساعة التي وقع فيها الثوب ـ فالإقترانُ سوف يحصل تلقائياً وبالوجدان ، وهذا لا مانع منه شرعاً ولا عقلائياً ، وهذا هو ما نـتحدّث عنه ، ولذلك ترى كلّ أو جلّ أصحابنا يُجرون هذا الإستصحاب ، ولعلّ الكثير من الإستصحابات هي هكذا ، فأنت حينما تـتذكّر بعد الصلاة أنك لم تلتفت إلى احتمال نجاسة ثوبك فتستصحب طهارةَ ثوبك فإنما تستصحبها ليحصل اقترانُ الصلاة بطهارة ثوبك ... وهذا أمر صحيح ومسَلَّم عند الجميع ، فلا مانع من حصول الإقتران التلقائي والوجداني .
أمّا أن تستصحب الجزءَ المعلومَ زمانياً بلحاظ زمان الجزء المجهول زمانيّاً لإثبات عنوان وجودي وهو (الإقتران) لو كان هو موضوع الحكم ، فهذا هو الأصل المثبت وهو القبـيح عقلائياً .
وثانياً : عرفتَ ممّا سبق عدمَ جريان الإستصحابَين المتعارضَين أصلاً ، لعدم كفاية وجود المقتضي في جريان الإستصحاب ، فنحن قبل أن نصل إلى مرحلة التعارض والتساقط نقول بعدم جريان الإستصحاب ، وقلنا هناك إنه لا يمكن أن يقول لنا المولى تعالى ـ في مرحلة الجعل ـ "الإستصحاب حجّةٌ مطلقاً حتى في حالة التعارض والتكاذب" ، أو قُلْ : لا دليلَ على جريان الإستصحابين في حالة تكذيب كلّ استصحاب للإستصحاب المعارِض ، والأصلُ عدم جعله في هكذا حالة .
مثال ذلك : لو كنّا نعلم بطهارة إناءين ، ثم علمنا بطروء نجاسة على أحدهما ، فليس لنا أن نستصحب الطهارةَ في الإناءين ثم بسبب تعارضهما نُسقطهما ، وإنما نحن لا نجري الإستصحابَين من الأصل ، وذلك لعدم إمكان جعلِ الإطلاقِ ـ أي في مرحلة الجعل ـ لحالة التعارض والتكاذب ، بأن يقول الباري تعالى ـ في مرحلة الجعل ـ أنا جعلتُ الإستصحابَ مطلقاً ، حتى في حال التعارض ، فأنت تعلم أنه إمّا أن يكون الجعل ـ ثبوتاً ـ مطلقاً وإمّا أن يكون مهملاً ، ولا يمكن الإهمال في مرحلة الجعل ، كما لا يمكن الإطلاق لحالة التعارض والتكاذب كما قلنا ، فيتعيّنُ تقيـيد جعل الإستصحاب بغير حالة التعارض فقط . وبتعبـير آخر : لا يكفي وجودُ اقتضاء جريان الإستصحاب ـ مع وجود مانع من جريانه ـ في جريانه .