دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٠٩ - * الجهة الثانية في أقسام استصحاب الكُلّي
خروج الإمام في صلاة الجماعة عن حدّ الركوع وفي بقائه في حدّ الركوع ، ولو في أدنى مراتب الركوع ، فإنّ لنا أن نستصحب كلّيّ الركوع ، ولو في أدنى مراتب الركوع . وكذا لو شككنا في الكيف الملموس ، فمثلاً : لو شككنا هل زالت كلّ الخشونة أم أنها بقيت ولو بأدنى مراتبها ، فإنـنا نستصحب بقاء كلّيّ الخشونة ولو بأدنى مراتبها .
المهم هو أنّ الإستصحاب هنا هو استصحاب للكلّي ، إذا نظرت إلى الكلّي ، أي إذا نظرت إلى الجامع الشامل لكلّ مراتب اللون المحتملة البقاء ، وهو بهذا يغاير مثالَ زيد وعَمرو السابق ، حيث التغاير بين زيد وعمرو ذاتي وجوهري ، دون موارد الأعراض ، حيث التغايرُ بالمراتب فقط .
أقول : لكن في الحقيقة هذه الإستصحاباتُ هي استصحابات موضوعية جزئية خارجية ـ وليست استصحاباً للكلّي الذي قلنا بأنه ذهني حتى وإن سمّيتَه كلّي طبـيعي وعنوان ـ لأنك إنما تستصحب عدمَ زوال السواد بالكليّة وعدمَ زوال الخشونة بالكليّة ، لأنّ السوادَ والخشونة مراتب ، فأنت إنما تستصحب عدمَ زوال تمام السواد وعدمَ زوال تمام الخشونة ، وهذا العدم المضاف ليس كليّاً ، والأثرُ الشرعي هو أن تبني على بقاء السواد والخشونة . وأمّا في مثال الشكّ في الخروج عن حدّ الركوع ، فإنّ الحركة الصعودية من حالة الركوع داخلةٌ في الأمور التدريجية ـ وليس في استصحاب الكلّي ـ فأنت يجب أن تستصحب عدمَ الخروج من حدٍّ الركوع ، وهذا أيضاً ليس من استصحاب الكلّي الذي هو أمر ذهني ...
مثال آخر : حينما نُسِخَ حكمُ سجن المرأة الزانية مدى العمر ، بجلدها أو رجمها ، فهل يـبقى سجنُها مدى العمر ـ ولو بسبب عدم بسط يد الحاكم ليُجريَ عليها الحدَّ الشرعي الجديد ـ جائزاً أو مطلوباً ـ ولو بنحو الإستحباب ـ ، بمعنى أنّ الله تعالى حين رَفَع الوجوبَ هل أنزل الإستحبابَ أو الإباحةَ محلَّ الوجوبِ في نفس الوقت ، أم أنه رفع كلّ الحكم السابق ، ولم يـَبقَ من الحكم شيءٌ لا الإستحباب ولا الجواز ؟ وبتعبـير آخر : هل لنا أن نستصحب كلّي جواز السجن ـ أي الجواز بالمعنى الأعمّ الشامل للوجوب والإستحباب والإباحة ـ أو ليس لنا ذلك ؟ يحتمل جداً بقاءُ الإستحباب ، أو على الأقلّ الإباحة ، وذلك لاستبعاد زوال الملاك بكلّ مراتبه ، حتى الإباحة ، فيتحوّل إلى الكراهة أو الحرمة !!
هذا لكن ما يهوّن الخطبَ هو وضوح الأمر في عالم الفقه ، ففي مثال ما لو فرضنا أنّ شخصاً نذر بأن يـبقى يسبّح الله تعالى طالما كان لون الثوب أسودَ ، ثم غسله بحيث شكّ في بقاء سواده ، فإنّ له أن يجري الإستصحابَ الجزئي لا الكلّي ، فيخرج عن القسم الثالث .