دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٠٠ - ٢ ـ جريان الإستصحاب في الكلّيّات
البول فإنـنا نستصحب خصوصَ هذه النجاسة ، لا مطلق النجاسة ، ولو شككنا في ارتـفاع الحدث البولي فإنـنا نستصحب بقاءَ خصوص الحدث البولي ، لكنْ لأنه لا فرق بين الحدث البَولي والحدث النَّومي والحدث الريحي من حيث الآثار ، نقول ـ بالتساهل في التعبـير ـ بأنـنا نستصحب بقاءَ الحدث الأصغر ، وإلاّ ففي الواقع فإنّ المستصحَب هو الأضيق دائرةً وهو خصوص الحدث البولي . وهكذا في مثال الشكّ في بقاء (إنسان) في المسجد ، فإنـنا في الواقع إنما نستصحب بقاءَ زيد ، لكنْ لأنّ زيداً هو إنسان ، وطبـيعةُ الإنسان موجودةٌ فيه ، فنحن نبني على بقاءِ (الإنسان) لكنْ بنحوِ الترتُّبِ على استصحاب بقاء زيد ، وفي الواقع هو استصحاب لأمر جزئيّ خارجي لا لأمر كلّي ، وإن تَوَهَّم بعضُ الناس أنّ البناء على بقاء (الإنسان) هو بسبب جريان الإستصحاب في (الإنسان) الكلّي .
يـبقَى أنّ الكلّي قد يكون حقيقيّاً واقعيّاً ـ كالإنسان ، الجامع بين ذاتيّات زَيد وعمرو ، وكالكتاب في قولك لولدك "آتـني بكتابٍ" ـ وقد يكون اعتباريّاً شرعيّاً ـ كالحدَث ، الجامع بين الأصغر والأكبر ، فإنّ اعتبار خروج البول سبـباً للحدث دون التقيّؤ هو أمر اعتباري شرعي محض ـ وقد يكون انـتزاعيّاً ـ كالشيء ، الجامع بين الله تعالى والملك الروحاني والإنسان والحجر ـ .
* ثم قد يكون موضوعُ الحكمِ جزئيّاً ، وقد يكون كلّياً ،
مثال الجزئي : ما لو خَرَجَ من الشخص سائلٌ مردّدٌ بين البول والمنيّ ، فتوضّأ فقط ، ولم يغتسل ، فقد تقول يجب هنا أن نستصحب بقاءَ كلّي الحدث ، الذي هو كلّي بعيد ، فيَحْرُمُ عليه ح أن يمسّ كتابَ الله تعالى ، لأنـنا استصحبنا هبوطَه المعنوي .
لكن من المقدّمة السالفة الذكر تَعرفُ خطأ هذا الكلامِ السابق ، ذلك لأنّ حرمة مسّ كتاب الله الكريم لم تكن معتمدةً على استصحاب كلّي الحدث الذي هو مفهوم ذهني ، وإنما كانت ناتجةً عن الحدث الجزئي الخارجي بخصوصه ، ولم تكن ناتجةً عن الحدث الذهني أصلاً ، وذلك لأنّ حرمة المسّ معلول خارجي ، فيجب أن تكون علتُه خارجيةً مثلَه ومِن سِنْخِه ، ولذلك لا يكون الحدث الذهني هو المستصحَبُ الحقيقي ، فإذن لا يصحّ استصحاب كلّي الحدث هنا .
وإنما يحرم مسّ كتاب الله الكريم من باب حُكْمِ العقلِ بعدم إمكان اعتبار المتوضّئ قد رَفَع حدثَه تماماً ، وذلك لعلم المكلّف أنه أحدث إمّا بالبول وإمّا بالجنابة ، فحين توضّأ وأراد أن يصلّي مثلاً فهو لا يَعلمُ أنه على طهارة ، والإشتغالُ اليقيني يستدعي عقلاً الفراغَ اليقيني . وبتعبـيرٍ آخر : الحدثُ البولي والحدث الجنابتي هما سنخان متغايران ، وليسا من سنخ واحد ، ولذلك كانت بعضُ آثارهما متغايرة ، فإذا ارتـفع الحدثُ البولي بالتوضُّؤ ، لم يرتـفع حدثُ الجنابة المحتمل ، فيجب عقلاً ـ بمقتضى العلم