دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٦ - إجتماع الحكم الواقعي والحكم الظاهري
لكنْ أغلبـية إصابتِها للواقع هي بلحاظ مجموع الأخبار ، لا بلحاظ كلّ خبر خبر ، أي أنّ المولى تعالى أعطى الحجيّةَ لأخبار الثقات لأنّ أغلبها صحيح ويوافق الواقعَ حتى وإن خالف بعضُها الواقعَ ، فإنّ المفسدة القليلة والخسارة الضئيلة لا يُهتمّ بها مع تحصيل ربح كثير ومع موافقةٍ غالبةٍ للواقع . وبتعبـير آخر : إنما أعطى اللهُ تعالى الحجيّةَ لخبر الثـقة لأنه نوعاً وغالباً يصيـب الواقع ، وليس المراد هو الظنّ بإصابة كلّ خبر ثـقة ـ أي بنحو الإستغراق ـ للواقع ، وإلاّ لاشترطنا ح في حجيّة خبر الثـقة الظنَّ بإصابته للواقع ، وهذا غير صحيح ، فإنّ أدلّة حجيّة خبر الثـقة لم تَشترط ذلك أصلاً .
قد يقال : إنّ من أسباب إعطاء خبر الثـقة الحجيّة هو مصلحة التيسير والتسهيل على الناس ـ في إعطاء الحجيّة لخبر الثـقة في الأحكام والموضوعات ـ وهي أهمّ من مفسدةِ مخالفة الواقع قليلاً أو نادراً .
أقول : يـبعد صحّةُ هذا الوجه ، ذلك لأنّ الظاهر من آية النبأ والروايات أنّ العِلّة في إعطاء الحجيّة لخبر الثـقة هو ما قلناه ، وليس هو التسهيلَ على الناس .
٤ ـ إنه على فرض اجتماع الأمر والنهي والمصلحة والمفسدة فلا مشكلة ولا لغو في إعطاء الحجيّة لأخبار الثقات وفي تشريع الأصول العمليّة ، طالما أنّ الواقعي المجهول فعليّ ـ لفعليّة الملاك ـ لكنْ غير منجّز ـ للجهل به ـ ، ومؤدّياتُ الأمارات والوظائفُ العمليّة هي أحكام ظاهريّة منجّزةٌ علينا ـ لكونها هي واجبة الإتّباع فعلاً ـ لكنْ لم تـثبُت فِعْليّتُها عندنا ـ لعدم نظر الأحكام الظاهريّة إلى الملاكات الواقعيّة ـ فأين المشكلة ؟! وكيف سيحصل تعارضٌ فعليّ أو منجّز سواءً في مرحلة الملاك ـ أي بين المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهة ـ أو في مرحلة الفعليّة أو في مرحلة التـنجّز بعد الجهل بالحكم الواقعي ؟! وأيّ مانع من وقوع هكذا تـنافٍ وفَوتٍ نادر للمصلحة والوقوع النادر في المفسدة ، مع كون المصلحة في تشريع الأمارة ـ لإصابتها غالباً للواقع ـ أهمَّ بكثير من عدم تشريعها وأهمّ بكثير من مفسدة الوقوع النادر في مخالفة الواقع .
وبتعبـير آخر : أدلّة حجيّة الأمارات لا تريد أن توصلنا بالأخير إلى الإيمان بأنّ (التدخين غير مضرّ ملاكاً وواقعاً وهي جائزةٌ واقعاً) ، ولذلك لا يقع أيّ معارضة بين الأحكام الواقعيّة ومؤدّيات الأمارات ، لا على مستوى المصلحة والمفسدة ولا على مستوى المحبوبـية والفعليّة ، وذلك لأنّ مؤدّى الأمارة لا يفيدنا العلمَ دائماً بوجود ملاك واقعي ومحبوبـية واقعيّة في التدخين أو في الإتيان بالسورة ، كما لو أفادتـنا الأمارة وجوب السورة بعد الفاتحة في ضيق الوقت ، وكانت محرّمةً في الواقع لكونها سبـباً لوقوع بعض الصلاة خارج الوقت . وباختصار : لن يحصل تعارض في أيّ مرحلة من المراحل ، لا في مرحلة الملاكات ولا فيما بعدها .. وذلك لما قلناه من أنّ الله تعالى إنما