دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٤ - إجتماع الحكم الواقعي والحكم الظاهري
الشكّ والجهل بحكم التدخين ، فيقول الشارع المقدّسُ : وظيفتكم الظاهرية ـ أي في حال الجهل بالحكم الواقعي ـ هو جواز التدخين .
المهمّ هو أنه لا شكّ في إمكان التعبّد الشرعي بالأمارة الغير علمية وبالاُصول العملية ـ كما هو المجمع عليه إلاّ من ابن قبة ـ ولا شكّ في عدم لزوم أيّ مُحال عقلي وأيّ مانع من ذلك .
كلامُنا هذا خالفه ابنُ قبة[٤٠] ، فقد ادّعى عدمَ الإمكان الوقوعي لما تخيّله من ترتّب محال أو باطل على التعبّد بالأمارات والأصول ـ من تـفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة أو استلزامه اجتماع المتعارضين ـ بعد تسليمه بالإمكان الذاتي ، مع أنه سيأتيك ـ في بحث الأدلّة على حجيّة خبر الثـقة من الكتاب الكريم والسُّنّة الشريفة ـ أنّ أدلّ دليلٍ على الإمكان الوقوعي هو الوقوع الخارجي مع عدم ترتّب أي محذور .
المهمّ هو أنّ ابنَ قبة ادّعى أنّ التعبّد بالأمارات والأصول يترتّب عليه محذوران : مَلاكي وخطابي .
المراد بالمحذور الملاكي هو لزوم اجتماع الضدّين من المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهة فيما إذا أخطأت الأمارةُ أو الأصلُ الواقعَ ، وهذا يفوّتُ المصلحةَ الواقعيةَ ، كما لو قامت الأمارةُ على حِلّيّة التدخين وكان في الواقع محرّماً ، فيكون إعطاءُ الحجيّةِ للأمارة التي قد تخالف الواقع مخالفاً لغرض المولى من بعث الأنبـياء لتبـيـين الشرائع الحقّة .
وأمّا المحذور الخطابي ـ في كلتا حالتَي الإصابة للواقع والمخالفة للواقع ـ فيحصل المحذورُ الأوّلُ فيما لو توافقت الأمارةُ أو الأصل مع الحكم الواقعي ، فيَرِدُ ح الخطابُ الشرعي مرّتين : مرّةً واقعي ، ومرّةً ظاهري ، وفيه نحو لغو ، ويحصل المحذور الخطابي الثاني فيما لو خالفتا الحكمَ الواقعي ، كما لو كان الحكمُ الواقعي الوجوبَ أو الحرمة ، والحكم الظاهري البراءةَ والجوازَ أو الحِلّيّة ... وهذا على صعيد نفس الإعتبار ـ أي قبل الوصول إلى مرحلة تكليف الناس ومخاطبتهم ـ لا يمكن أن يتصوّره عاقل في عالم الإعتبار ، وأمّا على صعيد تكليف الناس ومخاطبتهم فهذا يؤدّي إلى جعل الضدّين عليهم وتكليفهم بتكليفين متضادّين في مرحلة الجعل ، ثم تكليفهم بحكمين فعليـين ـ قبل أن نصل إلى مرحلة الامتـثال والتـنجيز ـ ، كما لو أفادت الأمارةُ وجوب السورة بعد الفاتحة في ضيق الوقت ، وكان الحكمُ الفعلي في الواقعِ الحرمةَ ، فيكون المولى تعالى ـ بإعطائه الحجيّةَ للأمارة ـ قد طلب ضدّ حكمه الواقعي الفعلي ، وهذا ممتـنع لأنه يخالف الحكمة الربّانية ، وحتى لو أمكن الامتـثال ـ أي في مرحلة الامتـثال ـ بالتكرار كأن يكونَ مأموراً بالجمعةِ واقعاً وفعلاً وبالظهر ظاهراً وتـنجيزاً ، أو بالعكس ، أو مأموراً
[٤٠] أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي ، فقيه رفيع المنزلة ، من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين . راجع الكنى والألقاب ج ١ ص ٤٣٧ .