دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٥ - إجتماع الحكم الواقعي والحكم الظاهري
بالتمام واقعاً وفعلاً وبالقصر ظاهراً وتـنجيزاً ، أو بالعكس ، فما هو الداعي لزيادة التكليف بالحكم الظاهري ؟!
وتسقط هذه الإدّعاءات والخيالات بـبـيان السبب في تشريع الأحكام الظاهرية على الصعيدين ، الأمارات أوّلاً ثم على صعيد الاُصول ثانياً ، فنقول :
· أمّا في الأمارات :
١ ًـ فالمولى تعالى يعلم أنّ بعض الأمارات ستخالف الأحكام الواقعية ، ولكنه رغم ذلك شرّعها عند الجهل بالحكم الواقعي ـ أي أعطاها الحجيّة الظاهرية ـ وذلك لغالبـية إصابتها للواقع . ودليلُنا على أنّ المولى تعالى أعطى الحجيّةَ لأخبار الثقات لغالبـية إصابتها للواقع آيةُ النبأ فهي تـفيدنا بالمفهوم ـ واللهُ العالم ـ أنه إنْ جاءكم عادلٌ بنبأ فلا يجب عليكم التبين ولا التأكّد والتـثبّت ، لأنه بـيان وعلم ، وليس جهالة ، ولا ينبغي للإنسان الذي اتّبع خبر الثـقة الصادق أن يندم . وتحليل اعتباره شرعاً بـياناً وأنه لا يجب التبين والتـثبّت هو أنه غالباً جداً يصيـب الواقعَ ، وإلاّ لوجب التبين والتـثبّت ولما صحّ أن يعتبره الله بـياناً وعِلْماً .
٢ ـ ليس باليَدِ حِيلةٌ ـ في حال الجهل بالحكم الواقعي ـ أحسنَ من اللجوء إلى الثـقة .
٣ ـ إنك تلاحظ من خلال الروايات أنّ المعصوم كان دائماً يوجّه شيعتَه إلى الأقرب إلى الواقع ، كما يلاحَظ في الروايات التي تـقدّم الأحاديث المخالفة للعامّة على الأحاديث الموافقة لهم ، وكان يأمر دائماً بأخذ الروايات من الصادقِين كما ترى ذلك فيما رواه جابر (بن يزيد الجعفي) عن أبي جعفر (ع) لحديث واحدٌ تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها ـ وليس ذلك إلاّ لأنّ نوع خبر الصادق يصيـب الواقع غالباً ، ومِثْلُه ما بَعدَه ـ [٤١] وبنصّ آخر وبنفس السند : قال سارعوا في طلب العلم ، فوالذي نفسي بـيده لحديثٌ واحد تأخذه عن صادق خيرٌ من الدنيا وما حملت من ذهب وفضة ، وذلك أن الله يقول [ما آتاكُمُ الرسولُ فَخُذُوْهُ ، وما نَهاكُمْ عنه فانـتهُوا] [٤٢] فترى الشارعَ المقدّسَ يريد ـ بوضوح ـ إعطاءَ الحجيّةِ لروايات الصادقين ، ولا وجه لذلك إلاّ لأنه يصيـب الواقعَ غالباً .
[٤١] ئل ١٨ ب ٨ من أبواب صفات القاضي ح ٦٧ ص ٦٩ .
[٤٢] نفس المصدر ح ٦٨ .