دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧١ - تصنيف الأحكام الشرعية
على كلٍّ ، لا شكّ في أنّ دِين الله كامِلٌ غيرُ ناقص ، ولهذا أصبحت قاعدة (اشتراك الأحكام الشرعيّة بين العالم والجاهل) قاعدةً مسلّمة عند علمائـنا أجمعين .
(٧) مراتب الحكم الواقعي : لا شكّ في أنّ المولى لا يمكن عقلاً أن يُشرِّعَ حُكماً إلاّ على أساس الملاك ـ أي المصلحة أو المفسدة الموجودين في الموضوع ـ وهذا مقتضى الحكمة البالغة لدى الله تعالى ، ولذلك لا يمكن عقلاً إلاّ أن يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ويَنْهَى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، ولذلك أجمعت الطائفة على ذلك ، ولذلك أجمعوا على لزوم أن يكون هناك ملاك أوّلاً ، يَنشأ منه الحكمُ أو يصبّ عليه الحكمُ .
بـيانُ ذلك : قد تكون بعض موضوعات الأحكام محبوبةً ذاتاً وعقلاً ومن دون تدخّلٍ من الباري ، كالنظافة والصدق والعدل ، فيوجبها الله تعالى أو يرغّبنا بها ، لأنّها بذاتها تـقتضي ذلك ، وقد تكون مبغوضةً ذاتاً ، فيحرّمها اللهُ كالظلم وشرب الخمر ، وقد يجعل اللهُ سبحانه بعضَ أمورٍ فيوجبها علينا ـ كالفرائض الخمسة الواجبة ـ أو يرغّبنا بها ـ كصلاة الليل ـ ، وهذا يعني أنّ موضوعات الأحكام على نحوين ، فإمّا أن تـقتضي بذاتها ـ ومن دون تدخّل ربّانيّ ـ حكماً إلهيّاً ، يكون في الواقع عقليّاً ـ كما في وجوب العدل وحرمة الظلم ـ وإمّا أن يصنعها اللهُ جلّ وعلا ـ كالصلاة والصيام والحجّ والخمس والزكاة ـ ثم يصبّ الأحكامَ عليها .
على كلٍّ ، ثم يحبّها اللهُ أو يـبغِضُها ... على مراتب متـفاوتة .
ثم يحصل إرادة لدى المولى تعالى في جعْلِ الحكم المناسب . ثم لا شكّ في تعدّد مرتبتَي الحبّ والإرادة ، فاللهُ يحبّ آثارَه ، كما نحبّ نحن الورود والزهور والنباتات الجميلة ، ولكن قد لا يريد أن يَصبّ عليها حُكْماً ، ولو لعدم قابليّتها ، وإرادةُ الحكم يجب أن تكون في مكان قابل للحكم .
ثم يعتبر اللهُ الحكمَ في عالم العِلْم والثبوت ، إذ لا يمكن ـ بحسب تـفكيرنا القاصر ـ أن يُنْشِئَ البارئُ حُكْماً قبل أن يكون في عِلْمِه متصوَّراً بكلّ شرائطه وأجزائه وبالحكم المناسب لذلك ... فالمقنـن يجب أن يَتصوّر الموضوعَ والحكمَ أوّلاً ثم يُظهرُه ، هكذا نَرَى بتـفكيرنا الناقص ، واللهُ أعلم .
هذه المراتبُ الأربعةُ تكون ـ إذَنْ ـ في عالم الثبوت ، ويسمّى عند الناس وبلحاظ الناس (عالَم التـفكير ) ، فعالَم التـفكير ـ عند الناس ـ هو عالَم الثبوت عندهم ، لكن لا يجوز أن يسمَّى عالَمُ الثبوت عند الله بـ عالم التـفكير ، لأنّ الله تعالى عنده التـفكيرُ طفرةً لا امتداد فيها ـ وهي تكون