دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧ - المـقـدّمـة
ليس كلُّ مَن يدرسُ ينجح ، وإنما هي قاعدة غالبـية ، وكما في (إذا غلى العصيرُ العنبي فإنه يَحْرُمُ) فإنّ اللزوم هنا جاء من الشرع الحنيف ، فيكون اللازم هنا لازماً شرعياً . فالفرق بين المدلول الإلتزامي واللازم هو أنّ المدلول الإلتزامي يكون جملة تامّة المعنى ويكون نـتاجَ جملةٍ تامّةِ المعنى ، وأمّا اللازم فهو كلمة واحدة كما لاحظتَ في الأمثلة الثلاثة السابقة . توضيح اللازم : لو كان زيدٌ نائماً بقربكم تحت جدار ، وحصلت هزّةٌ أرضية ، فهربتم ، وبقي زيد نائماً ، فنظرتم من بعيد فرأيتم الحائطَ قد وقع لجهته ، فشككتم في بقائه نائماً حين وقع الجدار أو أنه ابتعد عن الحائط قبل وقوعه ، ففي هكذا حالة لا يمكن أن تقول : "نستصحب بقاءَه تحت الحائط ، فإذن وقع الجدارُ عليه ، فإذن هو مات ، فإذن على زوجته أن تعتدّ ويقسَّمُ مالُه" وذلك لأنّ هذا الإستصحاب إنما يراد منه إثباتُ (وقوع الحائط على زيد حتى طَحَنَ عظامَه) وبالتالي (مات زيد) ، فيكون الإستصحابُ مثْبِتاً ، وإنما كان الإستصحابُ مُثْبِتاً لأنه يراد منه إثباتُ اللازمين المذكورين (وقوع الحائط عليه) و (موته) ، والأوّل لازمٌ عقلي والثاني لازمٌ عادي .
مثال آخر للأصل المثبت : لو أطلق زيدٌ النارَ على عَمْرو وهرب ، بحيث لو بقي عَمْرو في مكانه لوصلت إليه الرَّصاصةُ ولقتلته حتماً ، وبسبب هروب زيدٍ لم يَعلَم ببقاء عَمْرو في مكانه ، فهل يصحّ استصحابُ بقائه في مكانه لإثبات أنه قد قتلته الرصاصةُ ، وبالتالي لنُـثْبِتَ وجوبَ القَوَدِ على زيد أو الدية والكفّارة ؟ قطعاً لا ، وذلك لوجود مانعين :
المانع الأوّل : يَفهَمُ الفقيهُ من (القتل) الذي يترتّب عليه القَوَدُ أو الديةُ والكفّارة هو (القتل بنحو القطع الوجداني الصفتي) ، أي يجب أن يَثْبُتَ ذلك بالقطع ، فأنت تعلم أنّ الظاهر عرفاً من شروط القضايا الشرطية أنها مطلوبة بنحو الصفتية ، فموضوعُ الحكم بالقود والكفارة إذَنْ هو القتلُ بوجوده الواقعي أي بنحو القطع الوجداني أي الصفتي ، والإستصحابُ لو جرى في بقاءِ عمرو حتى وصلت إليه الرصاصةُ فإنه يُثْبِتُ قتْلَه تعبداً لا بنحو القطع الصفتي ، والإستصحابُ لا يُثبت شروطَ القضية الشرعية الشرطية بنحو القطع الوجداني لأنه سوف يكون أصلاً مثبتاً ، وإنما يُثبت الإستصحابُ بقاءَ خصوص الموضوع في القضية الحملية الذي يترتّب عليه الأثرُ الشرعيّ المنجّز مباشرةً ، فقط لا غير ، ولذلك تلاحظ وجودَ تغايُرٍ بين لازمِ المستصحَبِ وبين موضوع الحكم ، فموضوعُ الحكم باعتدادِ الزوجة وتقسيمُ مال زيد هو (القتلُ بوجوده الواقعي أي بنحو القطع) ، والمستصحَبُ هو (بقاؤه حتى وصلت إليه الرصاصةُ) وهو يترتّب عليه دخولُ الرصاصةِ في زيد ولا يترتّب عليه أثر شرعي منجَّز .