دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٨٩ - مسألة الشكّ بين الأقلّ والأكثر
هو الأقلّ فسوف يكون الأقلُّ ح (واجباً إستقلاليّاً) ، وإن كان الأكثرُ هو الواجب فسوف يكون الأقلّ ح (واجباً ضِمنيّاً) ، إذن عنوانُ الأقلّ مغايِرٌ لعنوان الأكثر ، فهما إذن متباينان .
وبعضهم كان يفلسف هذا الكلام السابق فيقول : إنّ وجوب الأقلّ إذا كان استقلاليّاً فمتعلّقُه هو الأقلّ مطلقاً ـ أي سواءً انضمّ إليه الزائد أم لا ـ وإذا كان وجوب الأقلّ ضِمنيّاً فمتعلّقُه هو الأقلّ المقيّدُ بانضمام الزائد ، فإذن هما ـ أي الأقلّ المطلق والأقلّ المقيّد ـ متباينان ـ وليسا من باب الأقلّ والأكثر ـ ولهذا يَتَشَكّلُ عندنا عِلْمٌ إجمالي .
وجوابُ هذا الكلام ونحوِه واضح وهو أنّ عناوين (الإستقلاليّة والضِمنيّة) و (النفسيّة والغَيريّة) و (الإطلاق والتقيـيد) لا دخل لها في المركّب ، ولا يجب نيّةُ الإستقلاليّة في الصلاة ـ مثلاً ـ ولا الضِمنيّة ولا الغَيريّة ولا الإطلاق ولا التقيـيد ، بل لا يجب لحاظُها في الصلاة ، إنما المهمّ هو الإتيان بالصلاة بالمقدار المنجّز علينا ، أو قُلْ : لا دليل على دخول عناوين النفسية أو الغيرية أو الضِمنيّة ، إنما الذي يَدخل في عهدتـنا هو خصوص هذه الأجزاء والشرائطِ المعلومة لا أكثر ، ومع الجهل في دخول غيرها فإنه تجري فيه البراءةُ بلا شكّ ، بل لا دليل على وجوب تحقيق (عنوان الصلاة المطلوبة) فوق مقدار ما ثبت في ذمّتـنا الذي هو التسعة أجزاء مثلاً . وبتعبـير ثالث : لا يوجد في البَين عِلمٌ إجمالي أصلاً ، وذلك لعدم وجود تكليف مردّد بين طرفين ، إنما يوجد تكليف واحدٌ مشكوكٌ لا غَير ، فهو إذن شكٌّ بدويّ بوضوح ، وحتى لو قلتَ يوجد علم إجمالي فالجواب أنّ هذا العلم الإجمالي الناشئ من العناوين المذكورة بما أنها لا تدخل في العهدة فهو غير منجّز .
*البرهان الثاني : اِنّه في حالة الإقتصار على الإتيان بالأقلّ لا نعلم بسقوط هذا الأقلّ على تقدير كونه ضِمنيّاً ، لأنّ الأجزاء الضِمينة مترابطة ثبوتاً وسقوطاً ، فما لم تُمتـثَل جميعاً لا يُعلم بسقوطها ، وذلك لاحتمال وجوب الترابط بين الأجزاء ، وهذا يعني أنّ المكلَّف الآتي بالأقل يَشُكُّ في سقوط المكلَّف به وفي الخروجِ عن عهدته ، فالشكّ إذن هو في حصول المكلّف به ، فلا بُدَّ إذن من الإحتياط العقلي ، من باب أن الشغل اليقيني يستدعي الفراغَ اليقيني .
والجواب هو أنـنا نشكّ في وجود ترابط بين الأجزاء المعلومة والجزء المشكوك ، فتجري البراءةُ عن احتمال وجود هذا الترابط ، أي نحن أرجعنا الشكّ إلى الشكّ في وجوب تكليف زائد علينا ، فصارت الشبهة بدْوِيّةً .