دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٥ - تصنيف الأحكام الشرعية
سنـتان ، ولكن المنجّز علينا بمقتضى قاعدة البراءة هو سنة واحدة فقط ، فالأثرُ الشرعي هو ما ترتّب علينا من وجوب سنة واحدة ، مع أنّ الواجب علينا واقعاً هو سنـتان ، لذلك لا يصحّ أن تقول : كلّ حكم شرعي تكليفي هو أثر شرعي ، وإنما الأثرُ الشرعي هو خصوص المنجّز عليك ، أي المعلوم عندك ولو من خلال الأمارة أو الأصل العملي .
إذا عرفتَ هذا نقول :
الأحكامُ الواقعيّةهي الموجودة في عالَم الجعل ، ونَعْرِفُ بعضَها من خلال بعض أمورٍ ككونها موجودةً بوضوح في كتاب الله الكريم أو السنّة المتواترة أو ككونها مجمَعاً عليها بنحو التسالم عند الطائفة ولا يَشكّ بها فقيه قط ، وهي تكليفيّة وموضوعيّة .
أمّا التكليفية فهي مثل (الصلاة واجبةٌ) و (صلاة الليل مستحبّةٌ) و (شرب العصيرِ مباحٌ) و (الأعمال الخارجة عن العقل والعرف كالأكل في الشوارع وتطويل الشعر مكروه) و (شرب الخمر حرام) . وقد تكون الإباحةُ صادرة عن ملاكين متساويين ـ أي مصلحة ومفسدة متساويين بنظر الشارع المقدّس ـ فتكون الإباحة اقتضائيّة ، وهي تـفيد التخيـير . قيل : وقد تكون الإباحةُ صادرةً من عدم الملاك ـ أي من عدم المصلحة وعدم المفسدة ـ فتكون الإباحةُ ح غيرَ اقتضائيّة . أقول : إعطاءُ مَثَلٍ على الإباحة الغير إقتضائيّة صعبٌ عقلاً ، إذ كلُّ ما تـفعلُه ، فيه مفسدةٌ أو مصلحةٌ اقتضائيّة ، حتى ولو ادّعيتَ بأنّ (وضْعَ يدِك اليمنى على اليدِ اليسرى غيرُ اقتضائي) ، وذلك لأنه في كلّ فعلٍ مصلحةٌ أو مفسدة ولو كانت قليلةً جدّاً بحيث لا يدركها الإنسانُ ، وذلك لأنّ الفِعْلَ أمْرٌ وجوديّ ، فلا بُدّ أن يكون فيه وله أثَرٌ في هذا العالَم ، ولذلك يـبعد عقلاً أن تجد مثالاً للإباحة الغير اقتضائيّة .
وأمّا الأحكام الموضوعية فهي مثل (الأمينُ لا يَضمن إلاّ مع التـفريط) و (إذا عقد رجل على امرأة بشروط معيّنة فهي زوجته) و (إذا اشترى شخصٌ بضاعةً من شخص بشروط معيّنة فقد مَلَكَها) . وأمّا الجزئيّة ـ كجزئيّة الركوع من الصلاة ـ والشرطيّة ـ كشرطيّة الإستـقبال في الصلاة ـ والمانعيّة ـ كنجاسة الثياب أو البدن في الصلاة ـ والرافعيّة ـ كالضحك والرقص في الصلاة ـ فهي ليست أحكاماً شرعية من الأصل ـ قَبْل أن نصل إلى مرحلة القول بأنها أحكامٌ موضوعية ـ وإنما هي مستـنبَطة من نفس الحكم الشرعي المؤلّف من موضوع ومحمول ، أو قُلْ هي أمور منـتزعةٌ في عالم الذهن .
* هذا بشكل إجمالي ، لكنْ تـفصيلُ ذلك يستدعي النظرَ في عشر نِـقاط :
(١) الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الموضوعي : هو أنّ الحكم التكليفي محرّكٌ مباشرةً للمكلّف ، والحكمُ الموضوعي محرّك غيرُ مباشر للمكلّف ، فقول المولى مثلاً : "الإتلاف سبب