دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦١٨ - * المقدمة السادسة حجيّة المداليل الإلتـزامية للأمارات دون الاُصول
المستصحِبِ منزلةَ العالِم ؟! وانّه لا فرق بين الأمارة وبين الإستصحاب من ناحية الأمارية والكاشفية ومن ناحية التـنزيل ؟!
قلتُ : الفرقُ هو أنّ خبر العادلِ ، غالباً يصيب الواقع بنظر المولى ، فتـنزيلُ خبرِه منزلةَ العِلْم مطابقةً والتزاماً شيءٌ متوقّعٌ ومقبولٌ عقلائياً ، هذا ثبوتاً ، وأمّا إثباتاً فآيةُ النبأ وصحيحة أحمد بن اسحق والتوقيع الشريف السالف الذكر واضحةٌ في ذلك .
لكنْ في الإستصحاب ليس الأمرُ هكذا ، لكون الكثير من حالات الإستصحاب الموضوعي ـ ولا نقول بجريان الإستصحاب في الشبهات الحكمية ـ يظنّ فيها الإنسانُ بتبدّل وتغيّر الحالة السابقة ، مع استبعاد أن يكون السبب ـ في عِلْمِ اللهِ الغَيـبي ـ هو غالبـية بقاء الحالة السابقة واقعاً ، ولا يلزم التعبّد بالبقاء على الحالة السابقة التعبّدُ بنبات لحية ولدك في المثال المعروف ، فلا وجْهَ أصلاً لبناء العقلاء على نبات لحية الولد الضائع ، كما لا وجه لاعتبار الإمام إياك عالماً بـبقاء الحالة السابقة ، هذا ثبوتاً .
أمّا إثباتاً ـ أي من حيث دَلالة الرواية ـ فالأمْرُ كذلك أيضاً ، فإنه لا دليل على تـنزيل الشارعِ المقدّس لك منزلة العالِم ، فإنّ الإمام (ع) لم يَعتبرْك عالماً أصلاً ، وإنما قال "إبْقَ على يقينك السابق" فقط لا غير ، ولم يَزِدْ على هذا ، ولم ينزّلك منزلةَ العالِمِ أصلاً . لاحِظْ قولَ الإمام (ع) مرّةً ثانية .. لا ، حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيئ من ذلك أمرٌ بَيِّن ، وإلا فإنه على يقين من وضوئه ، ولا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشك ، وإنما تـنقضه بـيقين آخر فقد ذَكَرَ الإمامُ العلّةَ في الإستصحاب ، وهو اليقين السابق ، ولم ينزّلك منزلةَ العالِمِ أصلاً ، على أنه لا يَفهم العرفُ إعطاءَ الحجيّة للمدلول الإلتزامي العقلي أو التكويني في الإستصحاب ، إنما يفهم العرفُ من أدلّة الإستصحاب إعتبارَ الشارعِ المقدّس بقاءَ الحالةِ السابقة فقط ، لا نبات اللحية أيضاً في المثال المشهور .
مثالٌ آخر ، لو فرضنا أنّ زيداً كان نائماً تحت حائط ، وتركناه نائماً وذهبنا ، ثم عَلِمْنا بوقوع الحائط إلى جهة زيد ، بحيث لو كان لا يزال نائماً لمات حتماً ، فهل تَرى رواياتِ الإستصحاب تفيدك أن تبنيَ على موت زيد ، وبالتالي ترتّب على هذا أن تعتدَّ زوجتُه عدةَ الوفاة وتقسَّمُ تركتُه ؟!! قطعاً ، لن يتجرّأ شخصٌ يقرأ رواياتِ الإستصحاب أن يقول "نعم ، نبني على بقائه نائماً في مكانه وبالتالي يترتَّب على استصحاب بقائه كلّ الآثار العقلية والتكوينية كموتِه وبالتالي أن تعتدّ زوجتُه وتقسَّمَ تركتُه" ، لن يتجرأ شخص على هكذا قول ، لأنّ روايات الإستصحاب لا تفيدنا هذا التـنزيلَ المطلق ، وإنما تـتعبّدنا أن نبني على بقاء الحالة السابقة وأن نبني على ترتُّبِ الآثارِ العرفية لبقاء الحالة السابقة وهي خصوص الآثار الشرعية التعبدية المباشرة . أمّا أن نبنيَ على ترتُّب الآثار العقلية أو التكوينية ـ كموته وخروج الدم