دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٥٦ - ٣ ـ دعوى التمسّك بالإجماع
فلولا أن العمل بهذه الأخبار[٤١٠] كان جائزاً لما جاز ذلك ، وكان يكون مَن عَمِلَ بخبر عنده أنه صحيح يكون مخالفه مخطئاً مرتكباً للقبـيح ، يستحق التـفسيق بذلك ، وفي تركهم ذلك والعدولِ عنه دليلٌ على جواز العمل بما عملوا به من الأخبار .
فإن تجاسر متجاسر إلى أن يقول : كل مسألة مما اختلفوا فيه عليه دليل قاطع ، ومن خالفه مخطئ فاسق يلزمه أن تـفسَّقَ الطائفةُ بأجمعها ويُضلِّلَ الشيوخَ المتقدمين كلَّهم فإنه لا يمكن أن يُدَّعَى على أحد موافقته في جميع أحكام الشرع ، ومن بلغ إلى هذا الحد لا يحسن مكالمته ، ويجب التغافل عنه بالسكوت .
وإن امتـنع من تـفسيقهم وتضليلهم ، فلا يمكنه إلا أن العمل بما عملوا به كان حسناً جائزاً خاصة ، وعلى أصولنا أن كل خطأ وقبـيح كبـير فيمكن أن يقال : إن خطأهم كان صغيراً ، فانحبط على ما تذهب إليه المعتزلة ، فلأجل ذلك لم يقطعوا الموالاة وتركوا التـفسيق فيه والتضليل .
فإن قال قائل : أكثر ما في هذا الإعتبار أن يدل على أنهم غيرُ مؤاخَذين بالعمل بهذه الأخبار ، وأنه قد عفي عنهم ، وذلك لا يدل على صوابهم ، لأنه لا يمتـنع أن يكون من خالف الدليل منهم أخطأ وأثم واستحق العقاب ، إلا أنه عفي له عن خطئه وأسقط عنه ما استحقه من العقاب .
قيل له : الجواب عن ذلك من وجهين :
أحدهما : إنّ غرضنا بما اخترناه من المذهب هو هذا ، وأنّ مَن عَمِلَ بهذه الأخبار لا يكون فاسقاً مستحقاً للعقاب ، فإذا سلم لنا ذلك ثبت لنا ما هو الغرض المقصود .
والثاني : إنّ ذلك لا يجوز ، لأنه لو كان قد عفي لهم عن العمل بذلك مع أنه قبـيح يستحق به العقاب وأسقط عقابهم ، لكانوا مغِيْرِين بالقبـيح وذلك لا يجوز ، لأنهم إذا علموا أنهم إذا عملوا بهذه الأخبار لا يستحقون العقاب لم يصرفهم عن العمل بها صارف ، فلو كان فيها ما هو قبـيحٌ العملُ به لما جاز ذلك على حال .
فإن قيل : لو كانت هذه الطريقة دالّة على جواز العمل بما اختلف من الأخبار المتعلقة بالشرع من حيث لم ينكِر بعضُهم على بعض ، ولم يفسِّقْ بعضُهم بعضاً ، ينبغي أن تكون دالّة على صوابهم فيما طريقه العلم ، فإنهم قد اختلفوا في الجبر والتشبـيه والتجسيم والصورة وغير ذلك ، واختلفوا في أعيان
[٤١٠] هنا يقول بحجيّة أخبار الثقات من الفطحية والواقفة وأمثالهم .