دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤١٠ - * أمّا في النقطة الأولى إيضاح بعض الأمور
قلت : سبحان الله !! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون ؟! إنّ هذا كان يـبلغُنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول : الذي جاء به شيطان ، فقال : مهلاً يا أبان ، هذا حكمُ رسولِ الله (ص) ، إنّ المرأة تُعاقِلُ الرجلَ إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف ، يا أبان اِنّك أخذتـني بالقياس ! والسُّنَّةُ إذا قَيْسَتْ مُحِقَ الدِّين [٣٥٤] ورواها في يب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن محمد بن أبي عمير ، ورواها في الفقيه بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجّاج مثله ، وهي صحيحة السند ، فقد يُتوهّم منها سلبُ الحجيّة عن الحكم العقلي القطعي وأنها تفيد عدمَ حجيّةِ الحكم العقلي القطعي ...
وهذا التوهّم غير صحيح ، فإنّ الإمام (ع) أراد أن يُفْهِمَ (أبان) أنّ العقل قد يخطئ ، وأنه قاصر عن معرفة الواقع ، لا أنه (ع) أراد أن يفيد عدم حجيّة الحكم العقلي القطعي ، بل لا يمكن أن تكون الروايةُ في مقام سلب الحجيّة عن القطع وإلاّ لاختل نظام الدين كلّه . ولذلك إذا قطعتَ من جهة العقل أنّ تـقليد الأعلم هو المتعيّن فلا يجوز لك تـقليدُ المفضول ، لأنك تدّعي أنّ تـقليد الأعلم هو الواجبُ عليك عقلاً ، ولكن مع احتمال جواز تـقليد مطلق المجتهد شرعاً لا يمكن لك أن تدّعيَ وجوبَ تـقليدِ خصوص الأعلم في الشرع ، وإنما يجب عليك تقليد خصوص الأعلم من باب الإحتياط لا من باب العلم .
نعم ، رواية أبان وغيرُها تشكّل عائقاً أمام تسرّعِ الإنسانِ في الإفتاء من جهة العقل ، لا بل لا يمكن أن يدّعيَ الإنسانُ أنّ الصدق مثلاً ـ الذي هو من أوضح مصاديق الحَسَن ـ هو واجب عقلاً وشرعاً في كلّ الموارد ، لأنه قد يكون محرّماً في بعض الموارد ، كما لو كان الصدقُ في مجال التـقيّة مضرّاً أو خطيراً على النفس أو على الغَير أو على الدِّين ، وقد يكون الصدق مكروهاً كما في بعض موارد مداراة الزوجة التي عقد على غيرها وهي لا تدري ، وقد يكون مستحبّاً ... فنحن لا نستطيع في الكثير من الحالات أن ندّعي وجوبَ الصدقِ هنا وحرمةَ الكذبِ هناك ، ووجوبَ الإحسانِ هنا ، وحرمةَ القتْلِ هناك ... ولذلك ترى العقلَ يَحكم غالباً بنحو الإجمال ، فيقول مثلاً "الصدقُ حَسَنٌ" و "الكذبُ قبـيح" لكن بنحو الإجمال ، ولا يتدخّل في الكثير من الحالات بتشخيص الحكم وتفصيلاته ، فلا يدّعي وجوبَ الصدق أو استحبابَه في الكثير من الحالات ، أو حرمةَ الكذب أو كراهته ، خوفاً من وجود بعض أمور لم يدركها بعقله .
[٣٥٤] ئل ١٩ ب ٤٤ من أبواب ديات الأعضاء ح ١ ص ٢٦٨ .