دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٧٧ - * دليل وجوب المـقدّمات المـُفَوّتة
وهذا يعني أنه إنِ استطاع إلى الحجّ فإنّ وجوب الحجّ يصير فعليّاً قبل مجيء وقته ، أمّا وجه وجوبه ـ مع أنه لم يتبين بَعدُ بأنه سوف يـبقى حيّاً ومستطيعاً إلى الحجّ ـ فقد يقال هو استصحاب بقائه حيّاً ومستطيعاً ، أمّا إذا جاء وقت الحجّ وكان هذا الشخص لا يزال حيّاً ومستطيعاً فهذا يكشف عن وجوبِه الفعلي الواقعي عليه من حين الإستطاعة .
فإن قلتَ : إذا أخذنا بقاءَه حيّاً ومستطيعاً إلى موسم الحجّ شرطاً متأخّراً في الوجوب الفعلي للحجّ فإنه يلزم محذور الشرط المتأخّر ، ومثله الكلامُ في مثال بقائه حيّاً سالماً ـ أي غير مريض ـ إلى طلوع الفجر في شهر رمضان . والإشكال هو أنه كيف يجب المعلول قبل تمام العلّة ؟!
كان الجواب عند بعضهم هو لزوم البناء على الإستصحاب الإستـقبالي في بقائه حيّاً ومستطيعاً وسالماً إلى آخر الواجب الشرعي ، ولذلك يجب أن نأتي بمقدّمات الحجّ ونفس الحجّ وبمقدّمات الصيام ونفس الصيام إلى آخر وقت الواجب من باب استصحاب بقائـنا أحياءً وقادرين . ودليلُ الإستصحاب الإستـقبالي هو ارتكاز العقلاء بـبقائهم أحياءً قادرين ، والله عاقل ، بل رئيس العقلاء ، فلا يخالف ما اتـفق عليه العقلاء .
وهذا الجواب غيرُ صحيح ، لعدم حجيّة الإستصحاب الإستـقبالي ، وما ذُكِرَ وإن كان يفيد الظنّ بحجيّة الإستصحاب في بقاء الإنسان حيّاً وقادراً ، لكنه لم يصل إلى مرحلة الإطمئـنان بإمضاء الباري تعالى لهذا الإستصحاب .
كما لا يصحّ جواباً ما قاله صاحب الفصول من أنه إذا بقي حيّاً ومستطيعاً إلى موسم الحجّ فإنه يكشِفُ عن وجوبه الفعلي الواقعي عليه ، وإن مات كُشِف عن عدم وجوبه الفعلي الواقعي عليه من أيام الإستطاعة . وذلك لأنه اعتراف بعدم معلوميّة الفعليّة فهو إذن مبرّر لعدم الإتيان بالمقدّمات المفوّتة .
ويمكن الجوابُ بشكلَين : الأوّل : هو كفايةُ الأخذ بالوجوب الفعلي الظاهري للحجّ ، فنعمل على هذا الأساس ، فنأتي بكلّ مقدّمات الحجّ والصيام قبل موسم الحجّ وقبل طلوع الفجر ، والظاهر أنّ مراد صاحب الفصول هو هذا الوجه . والثاني هو أن العقل يحكم بلزوم الإتيان بالمقدّمات المفوّتة قبل وقت الواجب ، وإلاّ لَفاتـنا الواجبُ دائماً في وقته .
ثم قال صاحب الفصول بأنه ممّا حُقِّق يتبين لك الفرقُ بين الواجب المعلّق والوجوب المشروط ، فإنّ الوجوب المشروط يكون مشروطاً ومعلّقاً على حصول الإستطاعة ويكون التكليف فعليّاً من أيام الإستطاعة فيجب تهيئة مقدّمات الحجّ من أيام الإستطاعة لاحتمال بقائه حيّاً وقادراً إلى موسم الحجّ ،