دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٤ - (المرحلة الرابعة من سنة ١٠٣١ هــ وإلى زمان الشهيد الصدر)
الأوّل : زلزال الأخباريين ، حيث كثر الكلام في أوائل المرحلة الرابعة ـ أي من سنة ١٠٣١ هـ حيث ظهرت المدرسة الأخبارية ـ عن لزوم الرجوع إلى الأحاديث وعدم جواز الإجتهاد وإعمال العقل في الإستـنباط .
والثاني : راحة الشيعة في ظلّ الحكم الصفوي الشيعي (الذي بقي من سنة ٩٠٥ إلى ١١٤٩ هـ ق) ، فقد قام النظام الصفوي بإسم الدعوة إلى التشيع ، واستـفاد من هذه الدعوة واكتسب قوته من ذلك ، وانـتشر التشيُّعُ في إيران بسبب هذا النظام ، واستـقدم النظامُ فقهاءَ الشيعة من جبل عامل لنشر التشيع وتـفقيهِ أجهزة الدولة وحركة المجتمع العامة ...
وبما أنّ كلّ هذه النهضة الشيعية الملفتة جداً ، في كلّ الميادين ، حصلت في العصر الصفوي ـ رغم قصر مدة حكمهم ـ كان لا بدّ من الإضاءة على هذا الحكم بعد قليل .
والثالث : اكتشاف كتب عديدة في الروايات خلال القرون التي أعقبت الشيخ الطوسي لم تكن مندرجة في كتب الحديث الأربعة عند الشيعة ، ولهذا كان لا بد لهذه الكتب المتـفرقة من موسوعات جديدة تضمها وتستوعب كل ما كَشَفَ عنه الفحصُ والبحثُ العلمي من روايات وكتب أحاديث ، هذه الموسوعاتُ الكبـيرة كانت نعمةَ الله على شيعة محمد وآل محمد ، وكأنّ المعصومين iقد رجعوا إلى الظهور مرّة ثانية .
وبهذا الصدد لا بأس أن نذكر بعضَ ما ذكره الشيخ محمد مهدي الآصفي[٢١] قال : "... في هذه الفترة طرأ على هذا العلم حدثٌ جديد ، وهو التوجه الأخباري الذي ظهر على يد الأمين الاسترآبادي (المتوفى سنة ١٠٣٦ هـ) مؤلف كتاب "الفوائد المدنية" في الإستغناء عن الطابع العقلي لعلم الأصول والاقتصار على ما ورد من أهل البـيت iمن الأحاديث ، دون الإستعانة بالقواعد العقلية والأصولية المعروفة . ويظهر أن خلفية هذا التوجه هو مخافة الإستغراق في الإعتماد على العنصر العقلي في الإجتهاد والإبتعاد عن النص ، كما حدث ذلك لمدرسة الرأي عند فقهاء أهل السنة . وقد أحدث هذا التطور الجديد صراعاً شديداً بين المدرستين : المدرسة الأصولية والأخبارية .
وامتد هذا الصراع ما يقارب القرنين من الزمان ، وانـتهى بتضاؤل دور المدرسة الأخبارية ، وتـنامي وتكامل المدرسة الأصولية ...
[٢١] في مقدّمة كتاب (أصول الفقه) للشيخ المظفّر ص ١٦ من طبعة مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقُم المقدسة .