دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٤٧ - المَقام الثالث في حرمة الفعل المتجرّى به وعدمه
ـ ثم اعلم أنّ توجيه الخطاب للمتجرّئ غير ممكن عقلاً ، ذلك لأنه يجهل بأنّ ما يشربه هو خلّ ، فإنه يعتقد بأنه يشربُ الخمرَ ، فكيف يمكن توجيه الخطاب والتحريم له ؟! أي كيف يمكن للشارع المقدّس أن يقول للمتجرّئ : يا متجرّئ ، لا تشرب هذا الخلّ الذي تعتقد بأنه خمر ؟! كما لا يمكن للشارع المقدّس أن يقول يا ناسي أو يا ساهي أو يا نائم أو يا مجنون لا تـفعل كذا ، فهكذا أصناف لا يمكن مخاطبتهم .
ولذلك نقول بأنّ التحريم ـ لو فُرِضَ وُجودُه ـ يكون بشكل قانون إلهي في اللوح المحفوظ ، ولا يكون بنحو الخطاب ، فيكون القانون الإلهي مثلاً هكذا : (الفعل المتجرّأ به على المولى حرام) أو (من يتجرّأ على المولى تعالى فإنه يرتكب الحرام) وهذه الألفاظ هي لتقريب الفكرة لا أكثر ، وذلك لأنّ عالمَ اللوح المحفوظ هو عالم المعاني لا عالم الألفاظ والكتابات .
إذن نختصر البحثَ كلّه بقولنا : إنه لم يثبت دليل على تشريع حرمة التجرّي ولو من خلال الملازمة ، نعم لا شكّ ـ عقلاً ـ في قبحه جداً .
* إثبات الحرمة من خلال الإجماع :
يقول السيد الشهيد الصدر:"الدليل الثّالث : الإجماع ، وذلك بدعوى أنـنا وإن لم نلحظ في كلمات المجمعين وقوعَ حرمة التجرّي بعنوانها مَعْقَداً للإجماع لكنـنا نستكشف ذلك من إجماعهم على مسألتين :
الاُولى : اِنّ مَن ظنَّ ضيقَ الوقت وجب عليه البِدار ، فلو أخّر كان آثماً ومستحقاً للعقاب حتى ولو تبين خطؤُه ، فهذا يكشف عن الإجماع على حرمة التجرّي بدعوى أنّ هذا الحكم لا يتِمّ إلاّ بناءً على القول بحرمة التجرّي .
ولكن لا يخفى أنه لم يرد التصريح في كلماتهم جميعاً بكون هذا التأخير معصية ، فبعضهم وإن صرّح بالمعصية ولكنّ البعض الآخر اكتـفى بذكر استحقاق العقاب من دون ذكر المعصية ، فلو تمّ إجماع فإنما يتمّ على استحقاق العقاب وهو لا يستلزم حرمة التجرّي لما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من كون التجرّيقبـيحاً وموجِباً لاستحقاق العقاب وإن لم نقل بحرمته .
والثّانية : إنّ مَن سافر سفراً مظنون الضرر وجب عليه الإتمام وإن تبين له الخلافُ ، فهنا ـ أيضاً ـ يقال : إنّ هذا لا يتمّ إلاّ بناءً على حرمة التجرّي" (إنـتهى) .
أقول : هنا عدّة نقاط يجب النظر فيها :