دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٢٧ - الأمر الثالث من بحث القطع لزوم الموافقة الإلتزاميّة
لكن قد يرد على هذا التـنظّر بوجود فرق بين نفس العبادة التي حقّقها المكلّفُ بتمامها وكما هو المطلوب تماماً ، وبين نفس العابد الذي لم يعتقد بشرعية ما يفعلُه ، أي أنّ بـينهما فرقاً . لكن يجب أنْ يُعلم ـ في هذه النقطة ـ أن العابدَ الكافرَ لن تـتأتّى منه نيّةُ القربة إلى الله تعالى ، فتكون صلاته باطلة من هذه الجهة ، لكن الجاهل بشخص الحكم الواقعي أو العامّي الذي يحتمل صحّة صلاتـنا فصلياها برجاء المطلوبـية فإنه يجب أن تقع صلاتهما صحيحة .
نعم في الأحكام التوصليّة ـ كتطهير الثوب للصلاة به وكالنفقة على الزوجة وكالعقود والإيقاعات ـ قد حصل المطلوب بلا شكّ ، فلا دليل أصلاً على لزوم الإيمان بالحكم الإلهي في صحّة العمل بالحكم الإلهي ، أمّا في تطهير الثوب مثلاً فقد حصلت الطهارة حتماً ، لكنه إن لم يكن يؤمن بالتطهير ـ كما لو لم يكن مُسْلِماً ـ فإنه يجب أن يحاسَبَ على انحرافه العقائدي ، وكذا في كلّ الاُمور التوصليّة البحتة ـ كما لو دفنوا الميّتَ بالطريقة الصحيحة من دون الإعتقاد بهذه الكيفية فقد سقط الواجب ـ لكن هذا الإنسان يستحقّ العقاب على انحرافه العقائدي .
وكذا إن اعتبَرَ شخصٌ النفقةَ على الزوجة مستحبّة كفراً بحكم الله تعالى وعناداً محضاً ـ أي بعد علمه من الشرع بأنها واجبة ـ فهذا مشرِّعٌ في مقابل تشريع الله تبارك وتعالى ، فدفْعُه للنفقة قد أسقَط الوجوبَ عنه ، ولكن يـبقى أنه يستحقّ العقاب حتماً على مخالفته القلبـية الإعتقادية .
وكذا لو عقَدَ عقْدَ الزواجِ مثلاً على امرأة غير معتقِدٍ بلزوم هكذا عقود ـ لكونه مثلاً شيوعياً غيرَ ملتزمٍ بدين الإسلام وإنما يعتقد أنّ هذه الصيغة هي من العادات التافهة ـ فقال (قبلْتُ التزويجَ) من باب الإضطرار من جهة أهله ومن باب الحياء من المجتمع الذي حوله ، فإن كان قاصداً التزوّج بهذه الصيغة ـ أي كان الغرض من قوله (قبلتُ التزويج) هو حصول مضمونه لاعتقاده أنّ هذا العقد هو عقد إجتماعي لا ربّاني ـ فإنّ عقْده قد صحّ بلا شكّ ولا خلاف ، حتى ولو لم يكن يعتقد بالإسلام وكان يحبّ ـ لولا الخجل ـ أن يعقد العقد العلماني . دليل صحّة العقد هو التمسّكُ بإطلاق الأدلّة من التقيُّد بلزوم الإعتقاد بالإسلام ، وأمّا إن لم يكن قاصداً شيئاً وإنما كان ساخراً غيرَ جادّ فلم يقع الزواج حتماً .
وكذا تماماً لو طلّق زوجتَه بالكيفية الصحيحة ولكنه كان شيوعياً لا يعتقد بأنّ طلاقاتـنا وعقودنا هي من عند الله ، وإنما يعتقد بالعلمانية فقط ، ويعتقد بأنّ تطليقاتـنا ما هي إلاّ أساطيرُ الأوّلين ، لكنه مع ذلك هو ـ بنظره ـ تطليقٌ عرفي متعارف عليه في المجتمع ليس أكثر ، فمن هذا المنطلق وكّل الشيخَ مثلاً بتطليق زوجته قاصداً الطلاق ، والفرض أنه لا يعتقد بدين الإسلام ، وأوقع الشيخُ الطلاقَ