دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٢٦ - الأمر الثالث من بحث القطع لزوم الموافقة الإلتزاميّة
لعدم وجوده لا خارجاً ولا في الذهن ، فيتعيّنُ القول بلزوم الموافقة الإلتزامية بالواجب الشرعي الواقعيكيفما كان ، وهذا ما قد اُعبّر عنه اختصاراً بـ (الموافقة الإجمالية) . وكذا لو تردّد الأمر بين وجوب السورة وحرمتها لكفت الموافقة الإلتزامية الإجمالية أيضاً ولو من باب التـنزّل وأنّ الميسور لا يسقطُ بالمعسور .. وإلاّ ـ فلو وجبت الموافقة القلبـية التـفصيلية ـ فقد لا يمكن ـ كما في حالات العلم الإجمالي المذكورة ـ وقد يقع المكلّف في الحرج عند أداء كل تكليف .
هذا ، ولكن هل تـتوقّف صحّة العمل على الموافقة الإلتزامية أيضاً أم لا ؟ فأقول :
لم يثبت تقيّدُ العملِ بالإعتقاد به ، وذلك ـ بتعبـير سيدنا الشهيدـ "لوضوح أنّ التكليف لا يدعو إلاّ إلى ما تعلّق به ، وهو لم يتعلّق إلاّ بالعمل .. فلو فرضنا حكم العقل بوجوبه فليس إلاّ حكماً جديداً غير داخل في صميم حكم العقل بتـنجّز التكليف ، وليس شقّاً من شقَّي وجوب الإمتـثال" (إنـتهى) .
وعليه فلو أتى المكلّفُ بالعمل تامّاً ـ عبادياً كان أو توصليّاً ـ من دون الإعتقاد بمشروعيّته فإنه يجب أن يقع صحيحاً ، وذلك كما لو صلّى العامّي صلاتـنا ـ بتمام أجزائها وشرائطها ـ غير معتقدٍ بهذه الكيفية فصلاتُه يجب أن تكون صحيحة، طبعاً لو كان جادّاً بهذه الصلاة ، وبتعبـيرٍ آخر : العبادةُ ـ حتى من حيث هي عبادة ـ لا تقتضي أكثر من الإتيان بتمام أجزائها وشرائطها المعروفة ، أمّا ارتباطُ العبادةِ بأمْرٍ آخر ـ وهو أنه من تمام شرائط صحّة العبادة هو لزوم الإلتزام القلبـي بوجوبها أيضاً ـ فهو أمْرٌ لم يثبت شرعاً ولا عقلاً ، أمّا شرعاً فلم يدلّنا أيّ دليل شرعي على دخل الإلتزام القلبـي في العمل المأتيّ به ، لا في مرحلة الملاك ولا في مرحلة الجعل ـ أي الإعتبار المبرَز ـ ، ويكفينا ـ مع الشكّ ـ التمسّك بإطلاق أدلّة التكاليف من لزوم الموافقة الإعتقاديّة ، وح لا يـبقى هناك داعي للرجوع إلى البراءة العقلية أو الشرعية ، وأمّا عقلاً فلا يحكم العقل بلزوم تبعيّة الإعتقاد القلبي للتكليف الشرعي .. نعم يستحقّ تارك الإعتقاد القلبـي العقابَ ـ لكن مستقلاًّ ـ على عدم التسليم بحكم الله تعالى أي على عدم الإعتقاد به .
لكن هذا لا يمنع من وجودِ تـنظّرٍ فيما قلناه في خصوص العبادات ، لأنه قد يقال بأنّ الله تبارك وتعالى يريد مِنّا أن نعبده كما يريد هو ، وهو يريد مِنّا أن نعبده عن اعتقاد بوجوب العبادة الفلانية وبمشروعيّتها .. وليست العبادةُ مجرّدَ حركاتٍ فنيّة بنيّة العبادة ، وليست هي إلاّ للتقرّب إليه جلّ وعلا ، وهل تـتحقّق العبادةُ خارجاً من دون الإعتقاد بأنها مشروعة وأنها حقّ من عند الله ؟!