دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٠٢ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
أي يقوم احتمالُ البقاء مَقام[١٨٣] القطع الصفتي الذي عرفت مراراً أنّ المراد منه هو المتّصف بصفة القاطع وبصفة أنه عالم تكويناً كما يتّصفُ الشجاعُ بالشجاعة .
لكن هذا لا يعني أنّ الشارع المقدّس قد اعتبرك عالماً بلحاظ المداليل الإلتزامية أيضاً ، فهذا يحتاج إلى دليل واضح على ذلك ، وهو مفقود ، ولذلك نقول دائماً بأنّ الاصل المثبت لا يُثبِتُ المداليل الإلتزامية .
وبتعبـيرٍ آخر : التـنزيل يجب أن يُنظَر إليه بمقدار نظر المنزِّل ، أو قُلْ : التـنزيل يدور سعةً وضيقاً مدار سعة نظر المنزّل وضيقه ، وفي الاُصول المحرزة لم يثبت التـنزيل المطلق ، لا ، بل يستبعد ذلك ، بحيث لا يمكن لنا التمسّكُ بإطلاق التـنزيل .
ولذلك إذا علمنا بأنّ الواقع كان مغايراً للحالة السابقة فقد يجب علينا الإعادة ، كما لو علمنا بأنـنا توضّأنا بماء كنّا قد استصحبنا طهارته ثم بعد الصلاة علمنا بنجاسته فإنّ علينا أن نعيد وضوءنا وصلاتـنا بلا شكّ ، وذلك لأنّ المطلوب في شرط الصلاة هو الوضوء الواقعي ، لا الأعمّ منه ومن الظاهري .
* ثم اعلم أنّ الأصول العمليّة التـنزيلية ـ كالطهارة والحِلّيّة ـ تقوم أيضاً مَقام القطعِ الموضوعي الصفتي الوجداني ، وذلك لتـنزيلها مشكوكَ الطهارةِ والنجاسة منزلة الطاهر شرعاً ، لاحِظْ قولَه (ع) في موثّقة عمّار المشهورة كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك وهذا تصريح من المولى تعالى بأنك يجب عليك أن تعتبره طاهراً ، أو قُلْ : هي تـنزّل المستصحَبَ منزلةَ المتيقّن ، ويَفهم من ذلك العرفُ أنك يجب أن تعتبر نفسك متيقّناً بطهارته ، وهذا تصريح بقيام الأصول العملية المحضة مَقام القطع الوجداني أي الصفتي ، وكذا الأمر تماماً في أدلّة الحلّية ، لاحِظْ قولَه (ع) كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه .
[١٨٣] يقول اللهُ تعالى [إنها ساءَتْ مُسْتَقَرّاً ومُقاماً] بضمّ ميم [مُقاماً] وذلك لأنّ فِعْلَها الماضي رباعيّ وهو (أقام) ، تقول (أقمتُ في المكان الفلاني عشرةَ أيام) ، ولكنه يقول [واتَّخِذُوا مِنْ مَقام إبراهيمَ مُصَلّى] بفتح ميم [مَقام] وذلك لأنّ فعلها الماضي ثلاثي وهو (قامَ) ، تقول (قام إسماعيلُ مَقام أبـيه إبراهيمَ عليهما السلام) .