دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٠٠ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
ورغم وضوح المطلب في الروايات قال المحقّق النائيني إنّ دليل حجّيّة الأمارة إنّما دلّ على اعتبار الكاشفيّة فيها فهي إنّما تقوم مَقام القطع الطريقيّ دون الصفتي ، وبكلمة أخرى : إنّ دليل حجّيتها إنّما أعطاها تعبّداً جنبةَ الكشف دون جنبة الصفة الخاصّة .
أقول : لا شكّ في وضوح تـنزيل الأمارات منزلة القطع الصفتي تعبّداً ، وهذا الإنكار إنما يحصل من قلّة التدبّر في الروايات ، وهذا العرف أمامك وهو خير دليل على ما نقول . نعم ، في الاُمور التكوينية لا يمكن تـنزيل الكتاب مثلاً منزلة التـفاح والليمون ، وكذا في الاُمور العقائديّة والتاريخيّة ، لكن ما نحن فيه هو اُمور تعبّدية ، وهي سهلة المؤونة ، ولعلّه يريد هذه الموارد العقائديّة ونحوها [١٨١] .
ثم اعلم أنّ الشارع المقدّس حينما شرّع لنا الحجيّة لخبر الثقة شرّعه بكلّ مداليله بما فيها الإلتزامية ، هكذا يفهم العرف من جعل الحجيّة ، ولذلك نقول دائماً بحجيّة المداليل الإلتزامية لخبر الثقة .
فإذا ثبت تـنزيل الأمارات منزلة القطعَين الطريقي والوجداني الصفتي في الأمور الفرعيّة يتّضح لك السرّ في تقديم الأمارة على الأصل ، وذلك لأنه إذا كانت الأمارة بمثابة القطع ، فإذن يجب أن تلغي موضوع الأصل الذي هو عدم العلم ، وهذا هو السرّ في قولهم بأنّ الأمارةَ واردةٌ على دليل الأصل العملي ، بمعنى أنها تلغي موضوعه . وبعضُ العلماء يقولون بأنّ الأمارة حاكمة على دليل الأصل لأنّ العلم المأخوذ في موضوع دليل الأصل قد وسّعه الشارعُ المقدّس ـ بتـنزيل الأمارة منزلة العلم ـ ليشمل الأمارات أيضاً ، ولا بأس بكلا الإصطلاحين (الورود والحكومة) ، وإن كان اصطلاح الحكومة هو الأضبط بلا شكّ ، لأنّ التوسعة في معنى العلم هي أساس الورود والإلغاء .
ثم لا شكّ أنّ هذه الحكومة ظاهرية ، في مقابل الحكومة الواقعية التي هي من قبـيل (الربا حرام) و(لا ربا بين الوالد وولده) .
[١٨١] ملاحظة مهمّة : قد تشكّك في وجود قطوعات موضوعيّة صفتيّة في الأحكام الفرعيّة وتحملها على الطريقيّة ، فأقول ـ ردّاً على هذا التشكيك ـ : لِنُمَثّلْ لذلك بالآية الكريمة [.. فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ ..][١٨١]) ألا ترى فَرْقاً بين أن يقول الله تعالى (فإنّ كنّ مؤمنات) وبين أن يقول [فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِناتٍ ..] ؟ لا شكّ في وجود فرق بـينهما ، وهو عدم كفاية حسن الظاهر ، وإنما يجب تحصيل العلم أو الإطمئـنان بكونها مؤمنة ، هذا بالعنوان الأوّلي ، وإلاّ فما الداعي لزيادة كلمة [عَلِمْتُمُوهُنّ] ؟ ولذلك يجب التوسّل بالروايات الصحيحة السابقة التي تـنزّل الشكّ الحاصل من الأمارة الحجّة منزلة العِلم.