دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٩٩ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
وكذا لو كانت الروايةُ (العصير العنبي الذي تعلم أنه لم يزل منه الثلثان حرام) وكانت الحالةُ السابقةُ ـ في العصير العنبي المغلي الذي لم نعلم أنه ذهب منه الثلثان ـ الحرمةَ فإنّ المتشرّعة يستصحبون عدم زوال الثلثين ، وبالتالي فإنهم لن يُقْدِموا على شربه ، وما ذلك إلاّ لقيام الإستصحاب شرعاً مَقام القطع الموضوعي الصفتي ، وسيأتيك مزيد توضيح لهذه النقطة .
وكذا لو كانت الرواية هكذا (مقطوع الطهارة تجوز الصلاة فيه) وأجرينا قاعدةَ الطهارة في الثوب ، فإنّ المتشرّعة يرَون جوازَ الصلاة فيه ، وما ذلك إلاّ لإقامة الشارع المقدّسِ الأصولَ العمليّة مَقام القطع الموضوعي الصفتي .
والمحقّق النائيني يقول بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي بالحكومة ـ دون القطع الصفتي[١٨٠]ـ .
* وبناءً على ما ذكرنا من الملازمة العقلية والعرفية بين (تـنزيل مفاد الأمارة منزلةَ الواقع) و(تـنزيل مَن جاءته الأمارةُ منزلةَ العالِم) إضافةً إلى الروايات التي تـنزّل الفقيه منزلة العالم رغم أنّ أغلب فتاواه معتمدة على الأحكام الظاهرية .. تعرف بضرورة أن تقوم الأماراتُ مَقام القطع الموضوعي الذي ظاهره أنه قطع صفتي أيضاً ، فلو ورد (إذا كنت عالماً وقاطعاً بكون ما أمامك خمراً ـ بمعنى أنك كنت متّصفاً بصفة العالِم ـ فإنه ح يحرم عليك شربه) ثم جاءتـنا أمارةٌ تقول (هذا خمر) وأنت تعرف من الروايات السابقة أنّ الشارعَ المقدّسَ قد نزّل مؤدّى الأمارةِ منزلةَ الواقع ، فإنك ترى كلّ المتشرّعة يجتـنبون عنه ، وما ذلك إلاّ لتـنزيل مؤدّى الأمارة ـ بنظر كلّ الناس ـ منزلةَ الواقع ، وبالملازمة : نزّلك الشارعُ المقدّسُ منزلةَ أنك عالمٌ بكونه خمراً .
توضيح ذلك : حينما يقول لك المولى "خبرُ الثقةِ هو كلام الإمام المعصوم" فهذا يعني أنك صرت عالماً ـ شرعاً وعند الله وحتى عند نفسك تعبّداً ـ أنّ الإمام يقول كذا ، وإذا أخبرك الثقة بكون الشيء الفلاني طاهراً أو نجساً واعتبر الله تعالى كلامه بمنزلة الواقع فهذا يعني أنك صرت عالماً شرعاً بطهارته ، وهكذا حينما يقول لك الإمام الصادق اِعتبرْ نفسَك عالماً بـبقاء الحالة السابقة ولا تـنقض اليقين أبداً بالشكّ وإنما اعتبِرْ نفسَك باقياً على اليقين .. فهل هناك أوضح من هذه التـنزيلات بلحاظ الواقع وبلحاظ القطع ؟!
[١٨٠] مباحث الأصول الجزء الخامس من القسم الثاني ص ٣٠٤ ـ ٣٠٥ .