منتقى الجمان فى الاحاديث الصحاح و الحسان - العاملي، حسن بن زينالدين الشهيد الثاني (صاحب المعالم) - الصفحة ٧٥ - «(باب)» في الوصية بالحج
أنّ هذا القصد يفوت بالموت فلا يتعلّق بماله حجّ واجب بالنّذر بل يكون الأمر بإخراج الحجّ المنذور واردا على وجه الاستحباب للوارث، و كونه من الثّلث رعاية لجانبه و احتراز من وقوع الحيف عليه كما هو الشّأن في التصرّف الماليّ الواقع للميّت من دون أن يكون مستحقّا عليه، و حجّ الوليّ أيضا محمول في الخبر الأوّل على الاستحباب، و في الثّاني تصريح بذلك و قد جعله الشّيخ شاهدا على إرادة التطوّع من الأوّل أيضا، و فيه نظر، لأنّ الحكم في الثّاني مذكور على وجه التّخيير بينه و بين الاخراج من الثّلث و هو يستدعي وجود المال، و في الأوّل مفروض في حال عدم وجوده و قوله: «فإنّما هو دين عليه» ينبغي أن يكون راجعا إلى حجّ الاسلام و إن كان حجّ النّذر أقرب إليه، فإنّ الظّاهر كونه تعليلا لتقديم حجّ الاسلام حيث يكون المتروك بقدره فحسب.
و بقي الكلام في قوله: «هي واجبة على الأب من ثلثه» و إرادة الاستحباب المتأكّد منه غير بعيدة و قد بيّنا فيما سلف أنّ استعمال الوجوب في هذا المعنى موافق لمقتضى أصل الوضع و لم يثبت تقدّم المعنى العرفيّ له الآن بحيث يكون موجودا في عصر الأئمّة عليهم السّلام ليقدّم على المعنى اللّغوي، و ذكرنا أنّ الشّيخ- رحمه اللّه- يكرّر القول في أنّ المتأكّد من السّنن يعبّر عنه بالوجوب و له في خصوص كتاب الحجّ كلام في هذا المعنى لا بأس بإيراده و هو مذكور في الكتابين و هذه صورة ما في التّهذيب: «قد بيّنا في غير موضع من هذا الكتاب أنّ ما الأولى فعله قد يطلق عليه اسم الوجوب و إن لم يكن يستحقّ بتركه العقاب» و أنت خبير بأنّ اعتراف الشّيخ بهذا يأبى تقدّم العرف و استقراره في ذلك العصر فيحتاج إثباته إلى حجّة و بدونها لا أقلّ من الشّك المنافي للخروج عن الأصل، و بما حرّرناه يعلم ضعف ما اختاره الشّيخ هنا من وجوب إخراج الحجّة المنذورة من الثّلث.
هذا كلّه على تقدير نهوض الحديثين بإثبات الحكم و إلّا استغني عن تكلّف البحث في معناهما، و كان التّعويل في المسألة على ما يقتضيه الاصول.